تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما لو ثبت على المفلس دين من ثمن سلعة، فقال بعد التفليس: هذه هي. هل يقبل إقراره أم لا؟

فقيل: لا يقبل حتى تعينها البينة التي شهدت بالبيع والثمن، فحينئذ يكون أحق بها من الغرماء. وقيل يقبل إقراره.

وأما لو كان التفليس لأحد الصناع فقال: هذا لفلان أخذته لنحوكه أو لنصوغه أو شبه ذلك ففيه ثلاثة أقوال:

أحدها: أن ذلك يقبل منه، إذ لو لم يقبل منه لهلكت أموال الناس، لأن الشهادة على التعيين في هذا تتعذر.

وقيل: لا يقبل ذلك منه للتهمة بان يكون يصانع بهذا الإقرار من يرد عليه ما أقر له به.

وقيل: إن علم أن المقر (1) دفع إليه جنس ما أقر له به، وشهدت بذلك بينة صدقته على الجملة دون التفصيل والتعيين، قبل قوله في التعيين، وإلا لم يقبل، إذا لم تعلم أصل الدفع إليه البينة. وقد يستدل على صدقه بعلامات. وقد يستظهر باليمين على المقر (1).

وذكر الشافعي أن إقراره بعد الحجر فيه قولان، واختار قبول الإقرار، واحتج له بأنه لو لم يقبل لاقتضى ذلك كون القصار والصباغ إذا فلسا وأقرا بسلع في أيديهما لمن استصنعهما بقصارة أو صباغ، لا يقبل ذلك منهما، وهذا يؤدي إلى تلف أموال الناس.

وكذلك الدلال الذي يبيع الخدم إذا فلس.

قال: وكذلك لو أقر المفلس بأن عبدا من عبيده الذين حجر عليه فيهم عبد قد أبق، فإنه إن لم يقبل إقراره صار ذلك العبد يباع عليه في الدين والعهدة عليه فتلزمه عهدة قد تبرأ منها. وهذا يقتضي قبل (2) إقرار المفلس بعد الحجر.

وسنتكلم على إقرار الصناع لبعض من استصنعهم إن شاء الله تعالى. فإن لم يقع الحجر ويحكم به فإنه لا يخلو من أن يكون لم يتبين فلسه ولا أحاط الدين بما في يديه، فإنه إذا كان ذلك كذلك قبل إقراره على الإطلاق، وإن كان أحاط الدين بما في يديه قبل إقراره لما لا يتهم عليه في إقراره. هذا هو المشهور من المذهب.

وذكر إسماعيل القاضي في المبسوط عن ابن نافع أن إقراره لا يقبل بدين على الإطلاق. فكأنه رأى أنه لما حس يكون ما في يديه مستحقا عليه سهل عليه الإقرار لمن يستحق ولمن لا يستحق.

ورأى الجماعة أن ذلك لا يقع فيه العاقل غالبا: أن يعمر ذمته ويجعل

عليه تباعة بحق، وليس ذلك عليه ولم تدفعه إلى ذلك ضرورة، ولا له فيه منفعة، بل عليه المضرة بطلب المقر له في الحال أو في المآل.

وأما إذا أحاط الدين بما في يديه وأقر لمن يتهم عليه: ففيه قولان. واختلف الأشياخ في المختار من القولين:

فقال بعضهم: الصواب إمضاء إقراره لأنه يطالب في المستقبل بما انتقص من مال الغرماء الذين وقع التحجير لأجلهم. فالتهمة وإن تصورت من كون المقر له أبا أو أخا فهي تنتفي من جهة ما يدركه من نفسه من الضرر والمطالبة بسبب هذا الإقرار.

ورأى بعضهم أن المختار رد إقراره، لكونه إذا كان قريبا فإن التهمة تقوى في أن يقر له بمال يحاص به الغرماء ثم يعيده عليه معجلا ينتفع به، وذلك أفيد له من كونه يترقب مطالبته فيما بعد، والنفوس مجبولة على إيثار العاجلة.

والأولى الالتفات إلى كل واقعة، فقد يصحب الواقعة من قولين (1) الأحوال ما يقوى التهمة أو بعضها (2).

وأما إذا قام عليه الغرماء، فهل يكون قيامهم كالحجر فيرد إقراره؟ أو يكون قيامهم لا حكم له فيجري الأمر فيه على ما قدمناه من التقسيم؟ اختلفت ألفاظ المذهب في هذا، فقيل: إذا قاموا عليه ليفلسوه لم يقبل إقراره.

وقيل: بل إذا قاموا عليه ليفلسوه وسجنوه، فحينئذ لا يجوز إقراره.

وقيل: بل إذا اجتمع الغرماء لتفليسه، وحالوا بينه وبين ماله، واستسلم، فإنه لا يجوز إقراره.

وهذه العبارات تحويم على المعنى الذي يقوم مقام الحكم بالحجر لما

كان الحجر عن هذه الأسباب التي ذكرناها يقع، ولأجله يحكم بالحجر. فمن اشترط الحبس قدر اعتقاله في نفسه كاعتقال ماله والحجر عليه فيه. ومن لم ير ذلك، وأشار إلى اعتقال ماله والحيلولة بينه وبينه، فإنه رأى أن ذلك المقصود الذي يتعلق به الحكم حتى يصير المال كالمرتهن للغرماء.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٨٨