تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد تأول بعض الأشياخ قول سحنون هذا على أنه إنما أراد بقوله "أمرته بالدفع" الإذن في ذلك على مقتضى ما وقع لمالك رضي الله عنه من كون الوصي له الدفع من غير افتقار إلى حكم حاكم.

وفي قوله "أبرأته" المراد به أيضا: أبرأته من الدفع. يعني أثبت له ذلك إثباتا، لأن الوصي لو نازعه من كان في ولأنه في كونه دفع إليه المال، وأنكر اليتيم أن يكون قبض، لم يقبل قول الوصي إلا بالإشهاد. فكأن قول الحاكم "أبرأته" يريد: حكمت له بالبراءة من الدفع خاصة، (لا يكون المدفوع إليه رشيدا أو سفيها) (1). ويمكن أن يكون "أبرأته" على مقتضى قوله: إن المال هذا وارثه رشيد، فيكون ذلك كحكم مشترط فيه أني أبرأته إن ثبت ما قال.

قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى:

فأما المفلس إذا طلب غرماؤه أو بعضهم الحجر عليه، فإن الحاكم يحكم عليه ويمنعه التصرف في ماله.

قال الفقيه الإمام رحمه الله:

يتعلق بهذا الفصل ستة أسئلة، منها أن يقال:

1 - كيف صفة الحجر على المفلس؟

2 - ومن يستحق الحجر عليه؟

3 - وما الذي يباع على المفلس من ماله؟

4 - وما الذي يقع الحصاص به؟

5 - وما حكم المحاصة التي يترقب انتقاضها؟

6 - وما الحكم في المحاصة بمال لا يستقر ملكه إلا بعد الموت؟.

فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:

قد قدمنا اختلاف فقهاء الأمصار في صحة الحجر على المفلس، وذكرنا أن مالكا والشافعي اتفقا على أن الحاكم يحجر عليه إذا سأله غرماؤه في ذلك، وكان ما في يديه عن (1) حقوقهم، وقد وجبت لهم المطالبة به. وذكرنا أن أبا حنيفة أنكر الحجر على المفلس، وهذا مع اتفاق الجميع على أن القاضي إذا نصب لاستخراج الحقوق وممن (2) هي عليه إذا امتنع من أدائها، ولكن رأى مالك والشافعي أن وجه استخراجها المؤدي إلى أخذ كل ذي حق حقه أن يحول بين المفلس وبين ماله إن امتنع من القضاء. ويمنعه من التصرف فيه ويبيعه عليه حتى يستوفي الغرماء حقوقهم.

ورأى أبو حنيفة أن المفلس حر بالغ عاقل رشيد. ومن كان كذلك فلا يمنع من التصرف في ماله. وكون هؤلاء لهم حق عليه في ماله يصح أن يوصلهم الحاكم إلى حقوقهم بأن يسجن المفلس ويضيق عليه حتى يبيع عقاره وأثاثه بنفسه ويقضي ما عليه.

وهذا الذي قاله لا يكون سببا عاما موثوقا به في حق كل واحد: إن هذا مما يؤدي إلى أخذ كل ذي حق حقه، لأنه من يتجلد على الحبس والتضييق، ويطول ذلك فيصير ذلك مماطلة بحق على مليء به أو ببعضه وهذا إضرار بالغرماء. والحجر عليه يتعلق بكل تصرف ينقص المال الذي في يده، فليس للمفلس الذي حكم بالحجر عليه أن يعقد عقدا لا معاوضة فيه مما يعود بانتقاص المال الذي في يديه كإعتاقه عبده عتقا ناجزا أو عتقا مؤجلا، وتكون

خدمة العبد إلى أجل ليس فيها إن بيعت ما يقضى منه الدين، ونقص ثمن الخدمة عن ثمن الرقبة إن بيعت بالنقد. وكذلك ليس له أن يدبر عبده أيضا، على حسب ما قلناه من العتق المؤجل، وكذلك ليس له أن يهب أو يتصدق أو يحبس، لأن جميع ذلك إبطال لحق الغرماء ونقص من المال الذي استحقوه.

وأما العقود التي بغير معاوضة ولكنها لا تنقص المال، كطلاقه لزوجه وخلعه ولعانه واستلحاق نسب أو نفيه، أو عفو عن جراح عمد أو عن حد وجب له، فجميع هذا لا يناوله (1) الحجر عليه.

وأما عقود المعاوضة التي هي بيع وشراء، فإنها موقوفة على ما هو أوفر للغرماء وأقرب إلى استيفاء حقوقهم إذا كان البيع والشراء مصروفا إلى المال الذي وقف. وأما إذا كان مصروفا إلى ذمته وعقد ذلك على وجه جائز كسلم يسلم إليه فيه إلى أجل بعيد، يصح العقد عليه أو ما في معنى ذلك، فليس لغرمائه أن يمنعوه من ذلك لأنه لا يعود بانتقاص المال الذي استحقوه. فإن باع بيعا بعد الحجر من السلع التي وقفت للغرماء، فإن رأى القاضي أن أخذ أثمانها أوفر للغرماء وأفيد من فسخ البيع أمضاه، وإن رأى أن فسخ البيع والنداء على السلعة أوفر للغرماء وأفيد فعل ذلك.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٨٥