تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فكذلك سبيلك فيما اشتراه على أن يؤدي ثمنه من المال الموقوف.

واختلف قول الشافعي في هذه المسألة: فرأى مرة أن عقوده هذه على الوقف حتى ينظر فيها: هل يفضل بعد قضاء ديونه فيمضي عقده فيهما؟ أو ينقص فينظر في عقده أيضا.

وقال أيضا قولا ثالثا: إن عقوده تفسخ على كل حال. وكأنه رأى أنه لما حيل بينه وبين ماله، ونهي عن التصرف فيه، صار عقده عقدا منهيا عنه يدل على فساد المنهي عنه. وهكذا مذهبه فيمن غصب سلعة فباعها أن البيع يفسخ ولا

يمكن الذي غصبت منه السلعة من إجازة البيع، خلافا للمشهور من مذهبنا.

وقد حكى ابن شعبان عن بعض أصحابنا: أنه يرى في ذلك ما رآه الشافعي من كون بيع الغاصب يفسخ على كل حال وقد كنا قدمنا نحن في غير هذا الموضع أن النهي إذا كان لحقوق الخلق لم يؤثر فسادا في العقد قياسا على المصراة. والنهي هاهنا راجع لحقوق الخلق.

ثم قد تقرر أن الحاكم إذا انتزع مال المفلس من يديه وحجر عليه التصرف فيه لحق الغرماء، صار ذلك كالرهن يرهنه من له الدين فبيع الراهن فيه لا ينفذ، وقد تعلق حق الورثة بمال من يرثونه إذا مرض، ثم لو باع جميع ماله بأعواض لا محاباة فيها لمضى بيعه، ولم يمنع من ذلك تعلق حق الورثة بماله مع كونهم يستحقون غير ما في يديه ولا يستحقون في ذمته شيئا؛ بخلاف المفلس الذي يستحقون حقوقهم في ذمته لا عين ما في يديه بل مقدار ما في يديه. فإذا جاز للمريض في ماله عقود المعاوضة، فكذلك يجوز للمفلس المحجور عليه. لكن الحجر على المفلس أضيق من الحجر على المريض، ألا ترى أن المريض له أن ينفق من ماله في الأشربة والأدوية وطيب الطعام، ما ليس للمفلس أن يفعله، وإنما للمفلس ما يفرضه القاضي من قوته، على ما يبسط في كتاب التفليس إن شاء الله تعالى. وهذا يقتضي القدح في قياس المفلس على المريض لكونهما يختلفان في السعة والتضييق. والذي ذكرناه عن الشافعي فيما يتصرف فيه المفلس ويعقده على نفسه في المال الذي حجر عليه فيه من بيع أو شراء هو بنفسه قال فيه قولين:

أحدهما إبطال هذه العقود. والثاني كونها موقوفة على اعتبار ما يظهر بعد

قسمة المال: هل تفضل أو يطرأ مال تخرج منه هذه العقود كلها؟

قال: وبهذا يفتي وعليه يناظر. ووجهه ما أشرنا إليه من كون التصرف لم يصادف مالكا محققا يجوز له التصرف فيه، فصار تصرفه باطلا كتصرف الإنسان في مال غيره بغير إذنه. فإذا قيل بهذا المذهب الذي هو إبطال العقود في الحال

من غير انتظار ما ينكشف بعد قسمة المال. فلا تفريع على هذا.

وإن قيل بالوقف: فإن أبا حامد الإسفراييني فرع هذا على أحد قوليهم بأنه إذا ظهر بعد قسمة المال فضلة، فإنه يرد من عقوده الأضعف فالأضعف. فلو فضل بعد قسمة المال فضلة وقد باع ووهب وأعتق فإنه رأى أن التفريع على هذا القول رد الهبة لكونها أضعف من البيع الذي هو المعاوضة، والهبة بغير معاوضة أضعف من العتق الذى له حرمة ويستكمل على الشريك المعتق نصيب شريكه لحرمة العتق. ثم يلي الهبة في الإبطال البيع لأنه وإن كان عن معاوضة فإنه ليست له حرمة العتق، فكان العتق أقوى هبة (1)، فوجب أن يقدم إمضاؤه في الفضلة التي تبقى بعد قسمة المال على الغرماء لحوالة سوق أو لطريان مال.

وهذا الذي فرعه من قال بالوقف، فإنا نحن من القائلين به، ولكن تفترق من (أمين) (2) وموافقيهم في هذه الطريقة لأنهم يرون الحجر يوجب تأثيرا في العقود: إما إبطالها جملة، وإما ضعفها وكونها معرضة للإبطال.

ونحن نرى إذا ظهر أن العتق والبيع والهبة كانوا (3) في حين إيقاعهم مما يجب أن يمضي لو اطلعنا على غيب ما يكون في المستقبل ويظهر، لم يحجر عليه فيها ولا تعقبنا عقوده في عتق أو بيع أو هبة.

وأما البيع فقد ذكرنا أنه لا يتعقب إذا كان بالقيمة فلو فضلت فضلة بعد قسمة المال فإن البيع قد ذكرنا أنه يجب إمضاؤه، إذا لم يكن إمضاؤه فيه ضرر على الغريم. هذا بفور البيع، فكيف به بعد قسمة المال وزوال حق الغرماء

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٨٦