ويجيبون هم عن هذا بأنه لم ينقل في الخبر أنه أحضر وطلب بالقضاء وعذر إليه. وهذا أيضا مما يؤكد عندهم حمله على أنه ميت، وإن احتمل أن يكون قال ذلك عمر رضي الله عنه وقد فرغ من الواجب في ذلك كله. وإذا تقرر الخلاف الذي ذكرناه في الحجر عليه، فإن القاضي يعرض عليه القضاء، فإن قبل ذلك مكنه منه، محتفظا على المال لئلا يتلف، وإن امتنع منه باع عليه عقاره وغير ذلك من ماله.
وذهب أبو حنيفة إلى أن القاضي لا يبيع عليه شيئا من ماله إلا أن يكون عليه ذهب وله فضة، أو عليه فضة وله ذهب، فإنه يصرف ذلك، أو تكون زوجة طلبت زوجها للإنفاق، فيبيع ذلك للإنفاق عليها. وهذا بناء على أصله: أنه لا يحجر عليه أن يبيع ماله بغير إخساره تحجير عليه، لكنه يرى أن القاضي يحبسه حتى يبيع بنفسه عقاره ويقضي ثمنها (2) غرماءه.
ونحن نبسط الكلام عليه في كتاب التفليس إن شاء الله تعالى.
وإذا تقرر الحجر وأحكامه، فلننظر الآن في من له الحجر:
فأما اليتيم السفيه الذي لا وصي له ولا مقام، فالنظر فيه إلى القاضي: يتولى ذلك بنفسه أويقيم له من ينظر فيه.
وأما الصغير الذي له أب، فأبوه يتولى الحجر عليه إلى أن يرشد. وإن مات الأب واستوصى عليه وصيا فهو المستحق للحجر عليه. وكذلك وصي الوصي يحل في هذا محل الوصي، كما حل الوصي محل الأب.
فإذا رشد من له الأب ثم صار سفيها فما يحجر عليه إلى (1) القاضي، وليس ذلك لأبيه؛ لأنه قد خرج من ولأنه، فصار بذلك كالأجنبي منه الذي ليس له من يستحق النظر له. فيكون الأمر فيه للقاضي.
وإذا حجر القاضي على أحد أشهد ذلك في مجلسه.
وأما فك الحجر، فقد قدمنا أن سبب الحجر إذا ارتفع وزال عاد الأمر في المحجور عليه إلى ما كان عليه قبل ذلك.
وقال القاضي عبد الوهاب: "لا ينفك الحجر إلا بحكم حاكم"، كما تقدم ذلك عنه.
والمشهور من المذهب في الوصي والمقام إذا علما رصيدا (2) لمن في ولائهما، وتبين ذلك لهما، أن لهما أن يدفعا إليه ماله. هكذا قال. مالك رضي الله عنه.
وعلى ظاهر كلام القاضي أبي محمد عبد الوهاب يفتقر إلى (3) الدفع إلى حكم حاكم.
والذي قاله مالك رضي الله عنه هو مقتضى ظاهر القرآن كقوله تعالى:
﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ (4).
يخاطب تعالى سائر الذين في ولائهم من يجب الحجر عليهم بأن (1) يؤتوهم أموالهم إلى أن يبلغوا ويعلموا رشدهم فيدفعوا إليهم أموالهم. فجعل الدفع إليهم (2) لم يعتبر في ذلك حكم قاض. فكأن القاضي أبا محمد عبد الوهاب (3) أن الأحوط لمال اليتيم أن يكون الدفع بحكم قاض لأن السفه والرشد قد يفتقر فيهما إلى اجتهاد، فقد يعتقد الوصي رشد من في ولأنه، وأنه قد صار في حيز من يصون ماله وينميه، والأمر بخلاف ذلك في الباطن. فإذا صرف ذلك إلى القاضي استقصى الأمر فيه بحسب الاجتهاد ولم يوقع الحكم إلا بعد ثبوت ما يوجبه. وإن كان الأمر في ذلك يناط بالوصي فلا يحكم القاضي بارتفاع الحجر حتى يعذر إلى الوصي ويرى ما عنده. فقد صار ذلك مناطا بالوصي، فلهذا رأى مالك رحمه الله أن للوصي دفع ماله من غير افتقار إلى حكم حاكم.
وقد وقع لسحنون ما ظاهره يؤكد ما قلناه من (4) الأمر مناط بالوصي، وبنى، على قوله، فقال في رجل أتاه يتيمه فأخبره أن أباه استوصاه عليه وأنه تبين منه الرشد، وسأله في الحاكم (5) بإطلاقه. فبنى سحنون الحكم على أنه أتى فلان ومعه فتى ذكر أن اسمه فلان بن فلان، وأن أباه استوصاه عليه، وأنه قد تبين رشده، فأمرته بأن يدفع إليه ماله وأبرأته. فهذا إن أخذ على ظاهره صح إسناد الحكم إلى قول الوصي من غير أن يثبت ذلك عند القاضي. والأمران القاضي لا يحكم برشد المحجور عليه بمجرد خبره، وأنه المستحق النظر له (عندي رشد) (6).