وقد علل مالك رضي الله عنه إلزامه الطلاق بكونه قد وقع منه الطلاق، ونحن لا نصدقه مع إيقاعه أنه بغير العقل حين إيقاعه لكونه تعدى في شربه، فلم يصدق فيما يدعيه من ذهاب العقل. ويؤكد هذا أن رفع التكليف عن الصبي والمجنون تخفيف ورخصة وترفيه ورفع مشقة، وفقيد العقل بالشرب قد أتى معصية وركب كبيرة. والمعاصي لا تجلب الرخص، لأن الترخيص في الشيء مسامحة في ركوبه وتسهيل لفعله، والشرع قد أقام الحد على أهل الفسوق زجرا لهم عن معاودة المعصية وطردا لغيرهم عنها مخافة العقوبة. فلو كان سكره يرفع عنه هذه الأحكام لكانت المعاصي كالرخص له فيها، وهذا عكس موضوع الشرع.
والجواب عن السؤال الثاني عشر أن يقال:
اختلف في المخدوع في البياعات: هل يحجر عليه لأجل ذلك كما يحجر على من لا يحسن حفظ المال وإمساكه أم لا؟
وسبب الخلاف في ذلك أن أهل حبان بن منقذ سألوا النبي عليه السلام أن يحجر عليه، لكونه يخدع في البيوع، فقال له لما شكى ذلك إليه، فقال له: "إذا بايعت فقل: لا خلابة" (1) فكأن من رأى الحجر عليه، وهو اختيار ابن شعبان، رأى أن التحجير على المغبون لو لم يكن جائزا لأنكر النبي عليه السلام على السائل في التحجير قوله، وهو عليه السلام لا يقر على خطأ وغلط فيما يتعلق بالشرائع.
ووجه القول بأنه لا يحجر عليه أنه عليه السلام لم (2) إلى ما طلب منه من الحجر، ولو كان سائغا لأجاب السائل فيه إليه، بل علمه ما يصون به ماله ويستغني به عن الحجر، فقال له: "اشترط ألا خلابة". معناه أن يستسلم إلى من يعامله ويشترط عليه ألا يغبنه. فإذا ظهر بعد ذلك غبن كان له أن يرد لمخالفة الشرط بخلاف المغبون. وأما المماكس ولكنه غبن لأجل جهله بالقيمة ففيه قولان:
إذا كانت المغابنة فاحشة، تقدم ذكرها في كتاب بيع الخيار من البيوع.
وقد قدمنا من حقيقة الرشد ذكر الاضطراب في اشتراط تنمية المال، فهذا المغبون إن كف عن التجر فأمسك ماله، جرى ذلك على ما قدمناه فيمن يحسن إمساك المال ولا يحسن تنميته، فإنه يدفع إليه وينهى عن التجر به، فإن لم ينته عن التجر خيف أن يتلف جميع ماله.
والجواب عن السؤال الثالث عشر أن يقال:
أما المسلم إذا ارتد فإنه قد إنحل ما كان ثبت له من أمان في نفسه وماله، فوجب أن يوقف في نفسه ليقام عليه حكم الله سبحانه في قتله إن لم يتب ويرجع إلى الإسلام، وكذلك يوقف ماله كما وقفت نفسه، لأنه إن قتل على ردته كان ماله للمسلمين ولا يرثه ورثته. فهو في نفسه وماله على الوقف ليرى ما يكون منه: فإن رجع إلى الإسلام صار ماله كما صار نفسه على المشهور من المذهب، وإن استبيحت نفسه بالقتل استبيح ماله، وإذا كان الحكم إيقاف ماله واعتقاله: فهل ترد أفعاله فيه ويكون محجورا عليه بنفس الردة؟ أو تكون أفعاله ماضية حتى يحكم القاضي عليه بالحجر؟
أما إن رجع إلى الإسلام مضت أفعاله، وأما إن قتل على ردته، ففيه اختلاف في المذهب:
فذهب ابن القاسم وأشهب إلى أنه لا يكون محجورا عليه بنفس الردة حتى يحكم الإمام بالحجر عليه. ورأيا أن أفعاله ماضية.
وذهب سحنون إلى أنه محجور عليه بنفس الردة.
فهذا قد يحسن أن يقال: إن الاختلاف في هذه المسألة مثل الاختلاف في السفيه المهمل: هل يكون محجورا عليه لوجود علة الحجر وهو السفه؟ أو لا يكون محجورا عليه إلا بالحكم بالحجر؟ وقد كنا قدمنا الاختلاف في ذلك، إلى هذا أشار بعض الأشياخ.
وقد يقدح في هذا التمثيل بأن الردة معنى محسوس مسموع فأشبه الجنون والصغر اللذين لا يفتقران إلى حكم حاكم لما كان ثبوتهما لا يفتقر إلى اجتهاد، بخلاف السفيه المهمل الذي اختلف فيه، لكن ثبوت السفه فيه يفتقر إلى اجتهاد.
لكن يقال في هذا أيضا: فإن ابن القاسم ذهب في السفيه المهمل إلى أنه ترد أفعاله وإن لم يحكم الحاكم بالحجر. وذهب في المرتد ها هنا إلى أن أفعاله