والجواب عن السؤال الحادي عشر أن يقال:
قد قررنا أن الله سبحانه نهى أن نؤتي السفهاء أموالنا، ومعلوم قطعا أن العلة في ذلك كونهم لا يعرفون وجه المصلحة فيها، ومقدار الحاجة إليها، فلا يحسنون حفظها ولا تنميتها.
وإذا كانت العلة ذلك، فمعلوم أن السكر يغير العقل والتمييز وأقل مراتبه أن يغطي العقل والتمييز عن درجة الكمال التي تحصل للبالغ العاقل الرشيد، فيجب أن تلحق عقوده بعقود السفهاء الذين لا يلزمهم عقودهم. وقد نبه الله سبحانه على فساد عقله بالسكر بقوله تعالى: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة﴾ (1).
فنبه الله سبحانه على أن الخمر يغير العقل حتى يستحسن السكران ما كان يستقبحه قبل أن يشرب الخمر، ويستخف من المتقدم على المحرمات ما لم يكن يستخفه قبل شربه لها. ومعلوم أن ذلك بما حدث في عقله وميزه من فقد أو انتقاص. لكن هذا الحدث هو اكتسب السبب فيه بعد أن نهاه الله عن هذا الاكتساب وحرمه عليه، وهو متعد في شربه الخمر.
وهذه الأحكام ثلاثة أنواع: حدود، وعقود معاوضات، وعقود غير معاوضات. وهي على قسمين: منها ما لا يحتاج إلى قبول ومنها ما يحتاج إلى قبول: فإن الحدود تلزمه وتقام عليه بما جناه في حال سكره حتى كأنه جناها وهو غير سكران في صحوه.
وقد حكى بعض العلماء الإجماع على أنه لو قتل لقتل وجرى حكمه في القتل مجرى حكم القاتل الصاحي، وإن كان مجنونا جنونا لا اكتساب له فيه لم يقتل إن قتل ولم تقم عليه الحدود وما ذاك إلا لما أشرنا إليه من كونه هو السبب في نقص عقله وتمييزه لأنه لو لم يشرب الخمر باختياره لم يفسد عقله إلا لسبب يطرأ عليه. فصار حكم عقله الناقص كحكم العقل التام؛ لأن هذا النقص هو جناه على نفسه، فصار حكمه كحكم العدم. وقد نبه علي بن أبي طالب رضي الله عنه على هذه العلة لما اجتمعت الصحابة في الاجتهاد في مقدار الحد الذي يقام على شارب الخمر. فقال لهم علي: "أرى أن يحد حد القاذف: ثمانين؛ لأنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى؛ فيقام عليه حد القاذف الصاحي" إشارة منه إلى ما ذكرناه. ولم ينكر عليه من اجتمع من الصحابة الاجتهاد في هذا الحكم بهذا التعليل، وهو المعنى الذي أشرنا إليه.
ولهذا أقيمت الحدود عليه.
وأما عقود المعاوضة التي تحتاج إلى قبول، كبيعه وشرائه، فإن أكثر أهل المذهب على أنها لا تلزمه، ومنهم من ألزمه إياها:
فالذين يلزمونها له أجروه مجرى السفيه العاقل، ورأوا أن أقل مراتبه أن يكون كالسفيه العاقل الذي جهله تدبير المال اقتضى ألا تلزم عقوده في البيع والشراء، فكذلك السكران، لكونه فقد الميز بالعقل (فقد لا ينتهي إليه السفيه العاقل) (1) تقام عليه الحدود ولا تلزمه عقوده، فكذلك السكران تقام عليه
الحدود ولا تلزمه عقوده للعلة الجامعة بينهما من فقدان العلم بتدبير المال، بل زاد السكران فقدان العقل كما نبه الله سبحانه عليه، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ (1) فلو كان السكر لا ينافي العلم لم يجعل الباري سبحانه ها هنا غاية وجود العلم فقدان السكر.
وأما عقوده في غير معاوضة، ولكنها تفتقر إلى قبول، كهباته، فإنها على القولين في بيعه وشرائه. لكن الهبة تفتقر إلى قبول الموهوب كما تفتقر عقود بياعاته إلى قبول المشتري منه.
وأما ما لا يفتقر إلى قبول كطلاقه وعتاقه فإنه يلزمه ذلك. هذا المعروف من المذهب.
وحكى بعض أشياخي عن بعض أشياخه أنه روى عن مالك أن طلاقه يلزمه، وهو مذهب ربيعة والليث وغيرهما. وما ذاك إلا بما قدمناه من التعليل من كونه أدخل على نفسه ما أفسد عقله تعديا منه وظلما لنفسه، فصار فقدان عقله حكمه كحكم العدم، وكأنه باق على ما كان عليه قبل شربه الخمر.