تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على الإمضاء، فإن لم يكن اختلف قوله، فهذا يشعر بأن الردة في إيجاب الحجر أخفض رتبة من وجوب الحجر على السفيه المهمل. فهذا هو الحكم فيه قبل أن يقع الحكم بالحجر عليه.

وأما إن وقع الحكم بالحجر عليه وقتل على ردته فلا شك في أن أفعاله مردودة.

وأما إن رجع إلى الإسلام فإن أشهب رأى أن أفعاله مردودة أيضا كما لو

قتل على ردته وكأنه قدر أن إمضاءها كالنقض للحكم، والحكم الصحيح لا ينقض.

وذهب ابن القاسم إلى أن أفعاله تمضي، وكأنه قذر أنه انكشف أن الخجر

كان في غير موضعه، وأنا لو اطلعنا على الغيب وعلمنا أنه يعود إلى الإسلام لم يحكم بالحجر عليه، فلهذا أمضى أفعاله إذا رجع إلى الإسلام.

والجواب عن السؤال الرابع عشر أن يقال:

أما تمكين الزوج من الحجر على زوجته في بيعها وشرائها من غير محاباة. فلا خلاف أن ذلك ليس من حقه.

وأما تمكينه من الحجر عليها في الهبات والعطايا، فإنه مما اختلف الناس فذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه ليس من حقه أن يحجر عليها قياسا عليه في نفسه: أن ليس من حقها أن تحجر عليه إجماعا.

ومن الناس من ذهب إلى أنه يمكن من الحجر عليها في العطايا والهبات على الإطلاق بعكس ما حكيناه عن أبي حنيفة والشافعي.

وذهب مالك إلى أنه يمكن من الحجر عليها إذا زادت في العتق والعطايا على ثلث مالها، قياسا على المريض، فإنه لا يمنع من هبة ثلث ماله فأقل،

ويمنع فيما زاد على ذلك.

وسبب الخلاف في هذا من جهة الاعتبار الالتفات إلى شواهد أصول: فقد تقرر في الشرع أن الحجر إذا كان حقا للمحجور عليه انطلق على منعه مما قل من ماله أو جل. وإذا كان الحجر حقا لغير المحجور عليه، فاختلف أحكام الشرع فيه:

فللسيد أن يحجر عليه فيما قل أو جل من ماله، لما كان الحجر ليس حقا للعبد، وهو حق لسيده.

والمريض لما كان الحجر عليه حقا لورثته حجر عليه فيما زاد على ثلث ماله.

فأصحاب كل مذهب اتفقوا (1) إلى ما يوافق مذهبهم من هذه الأصول: فأبو حنيفة والشافعي رأيا أن أصول الشرع لا يمنع الرشيد من التصرف في ماله كيف شاء.

وأما الالتفات في هذا إلى الآثار، فقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي عليه السلام قال: "لا يحل لامرأة ملك زوجها عصمتها أن تعطي من مالها شيئا بغير إذنه". وهذا الحديث مرسل، والعمل بالمراسيل فيه خلاف بين أهل الأصول.

وروى ابن حبيب عن النبي عليه السلام معنى هذا الحديث عن النبي عليه السلام مقيدا، فقال: "لا يجوز لامرأة أن تعطي من مالها شيئا له بال بغير إذن زوجها" أو كما قال. وهذا التقييد يوجب رد حديث عمرو بن شعيب إليه، فقال ابن حبيب: رأى العلماء مقدار ماله بال الثلث استدلالا منهم بما ورد الشرع به في إطلاق الثلث للمريض وإن تعلق لورثته حق بماله.

وقد علم عند أهل الأصول أن الحكم الواحد إذا ورد فيه مطلق ومقيد رد المطلق إلى المقيد.

وأما أبو حنيفة والشافعي فإنهما يتعلقان بقوله عليه السلام لما خطب يوم العيد ووعظ "وإذا" (1) النساء، فقال: "تصدقن من حليكن" (2). فقوله "تصدقن" أمر عام لم يحد فيه مقدار ما يتصدقن به، ولو كان ذلك ممنوعا على الإطلاق كما ذهب إليه بعض الناس لم يقل "تصدقن". ولو كان أيضا يجوز ذلك في بعض المال دون بعض كما قال مالك لم يطلق الأمر بالصدقة، بل كان يقيدها بأن يقول: تصدقن بمقدار ثلث مالكن.

والظاهر أنه إذ خاطب النساء عموما من غير أن يلتفت إلى من لها زوج أو لا زوج لها، ولا إلى من كان زوجها حاضرا لهذا بذلك وميت لم يكن حاضرا.

وكان أبو حنيفة والشافعي تعلقا بهذا الحديث. وتعلق مالك بالحديث الذي رواه ابن حبيب. وتعلق المخالف الثالث بحديث عمرو بن شعيب.

وأما طرق القياس، فقد نبهناك عليها. واختلف المذهب على قولين: إذا تصدقت بأكثر من الثلث هل يرد جميع ما تصدقت به، لكونها تعدت في هذه الصدقة، وهي فعلة واحدة، فلما ثبت فيها العداء رد جميعها، أو يختص الرد بما زاد على الثلث لأن التعدي مختص به، فيجب في هذا العقد أن يمضي فيه ما يجوز، ويرد ما لا يجوز.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٨٢