تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن المرأة البكر إذا بلغت اختبر حالها في مالها: فإن لم تكن فيه سفيهة، فإنه يدفع إليها مالها وإن لم تتزوج.

وحاول بعض أشياخي أن يجعل أيضا في المذهب قولا آخر موافقا لما قال أبو حنيفة والشافعي مع (1) كون النسوان كالذكران في دفع مالهن إليهن وإن لم يتزوجن.

فقال في كتاب الحبس والصدقة من المدونة: إنه قيل له: ما معنى قوله تعالى ﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾ قال: بلوغ النكاح الاحتلام في الذكران والحيض في النسوان. ولم يشترط الدخول ولا حمل قوله تعالى ﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾ على أنهم نكحوا بل حمله على أن المراد به بلغوا سن النكاح والاحتلام، كما قال أبو حنيفة والشافعي. والبغداديون من أصحابنا لما ردوا على أبي حنيفة والشافعي قالوا: قوله تعالى ﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾ هو المراد به نكحوا ولم يود به بلغوا سن النكاح. ولو كان المراد به غير هذا لقال: حتى إذا نكحوا.

ويدل على هذا أن الإجماع على أن الصبي إذا بلغ رشده دفع إليه ماله وإن لم يتزوج. فالله تعالى لم يفرق بين الذكر والأنثى، فقال: حسيبا. فلما أجمع على أن الذكر إذا بلغ رشدا دفع إليه ماله، فكذلك الأنثى وإن لم تتزوج.

وقال أصحابنا: قد قال تعالى ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا﴾. والذكر إذا بلغ يصح بأن يختبر بأن يعطى من ماله شيئا يختبر به: فإن أنماه زاد وصيه من ماله شيئا. فإذا نماه وتكرر ذلك منه حتى عرف أنه رشيد دفع إليه المال.

والصبية البالغ البكر محجوبة لا يراها الرجال ولا كثير من النساء، فيستحيل أن يعرف رشدها وهي محجوبة عن الرجال وعن النسوان لا عن أهلها. والذكر يتصرف بين الناس بعد بلوغه، فيختبر حاله: هل هو رشيد أو سفيه؟ فافترق الحال.

وعندي أن هذا الخلاف إنما يرجع إلى اختلاف في شهادة بعادة: هل يصح الاطلاع على رشد البكر وهي من وراء حجاب، كما يصح الاطلاع على رشد الصبي البالغ؟ أو لا يصح ذلك؟ فهذا سبب الخلاف.

والمشهور من المذهب أن الشيب من النسوان البالغ، تحمل على الرشد.

واختلفت إشارات المذهب عن بعض أشياخي في مجرد الدخول: هل يقتصر عليه أو لا بد من اختبار حالها بعد الدخول؟

كما اختلف العلماء في مقدار السنين التي تحمل فيها على الرشد إذا أقامتها مع الزوج.

وهذا كله يرجع عندي إلى اختلاف في شهادة بعادة وكان بعض أشياخي يرى أن النساء البدويات لا يوسع في حال الرشد بعد الدخول مثل ما يوسع في ذلك في بنات كبار التجار في الحواضر، لأجل أن بنات "الكبرى (1) من) التجار في الحواضر لا يمكن من التصرف والتبدل (1) إلا بعد سنين تقيمها مع الزوج.

وهذا يشير إلى ما ذكرناه من التعويل علي الشهادة في العادات، وهذا هو التحقيق.

وقد وقع في المدونة اختلاف في البكر اليتيمة إذا تزوجت بدون صداق مثلها: يمضي ذلك عليها أو لا يجوز حطيطتها من صداقها؛ وهذا يمكن أن يجري على الخلاف في فعل السفيه المهمل: هل يمضي أو يحجر القاضي أو يرد أو يحمل على أنه لا يعتبر الدخول في الرشد كما قدمنا عن تخريج بعض شيوخنا في المذهب؟

وإذا تقرر حكم السفيه ووقع بيعه أو شراؤه في حال يجب ألا تمضي أفعاله فيها، فإن عقوده على الوقف، فما كان إمضاؤه من حسن النظر له أمضي عليه. وما كان إمضاؤه سوء نظر له رد عقده فيه.

فإذا رد عقده فيما باعه وقد قبض ثمنه أخذه البائع منه، إن وجده بعينه.

وإن وجده أتلفه في ما لا بد له منه مما وقى به ماله، فإنه يؤخذ ذلك من ماله.

وإن أتلفه فيما لا حاجة له به لم يرجع به عليه، وكأن البائع هو أتلف ماله لما دفعه لمن نهى الله سبحانه عن أن يؤتى المال.

وإن كان اشترى سلعة وجب فسخ بيعه. وإن تلفت في يديه بغير سببه لم يضمنها. وإن أتلفها فيما وقى ماله رجع عليه بالأقل من ثمنها الذي اشتراها به أو قيمتها. ويجري هذا كله على أحكام استحقاق السلع من يد مشتريها. وهو يبسط في كتاب الاستحقاق إن شاء الله تعالى.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٧٩