تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فكذلك قول ابن عمر: "عرضت عليه وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني ولم يرني بلغت" (1). فإن هذا يشير إلى أن عدم البلوغ علة حكم الرد، ووجود البلوغ علة الإجازة.

وأصحابنا يتأولون قوله: "ولم يرني بلغت" في الحين لطاقة القتال، ويؤكدون ذلك بقول سمرة بن جندب: "عرضت على النبي عليه السلام وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني (وعرضت عليه متأخر ما جازه) (2)، فقلت: يا رسول الله، أجزت هذا ورددتني ولو صارعني لصرعته، فأذن عليه السلام في صراعنا فصر عنه، فأجازني" (3).

وهذا يقتضي إنما اعتبر في هذا إطاقة القتال، ويجعل قول ابن عمر "ولم

يرني بلغت" على أنه أراد: بلغت إطاقة القتال.

وأصحاب الشافعي يقولون: إذا أطلق ذكر البلوغ فما يحمل إلا على بلوغ الحلم، وأما بلوغ ما سوى ذلك فلا يذكر إلا مقيدا بأن يقال: بلغت كذا وبلغت كذا.

وأما كون الحيض في النسوان علما على البلوغ فإن ذلك لا يختلف فيه.

وقد جعله الله سبحانه دلالة على براءة الرحم من العمل في العدد والاستبراء.

وكذلك لا يكون الحمل إلا بعد البلوغ. وقد أخبر عليه السلام بعلة كون المولود ذكرا أو أنثى، فقال "إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكر بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنثى بإذن الله" (1).

والجواب عن السؤال العاشر أن يقال:

أما مجرد البلوغ فلا يكون علما على حصول الرشد دون اختبار اليتيم حتى يعلم رشده، كما قدمناه في مقتضى قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا﴾. فإن معناه: فاختبروا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن علمتم منهم رشدا. وذكرنا الخلاف في هذا الاختبار: هل يقع قبل البلوغ أو بعده؟ وكان بعض أشياخي يحمل على المذهب أن فيه اختلافا في هذا، وأن أحد القولين كون البلوغ بمجرده دليلا على الرشد لكون الغالب من بني آدم الحرص على جمع المال وصيانته وتنميته، وإنما يوجد فيهم من هو بخلاف ذلك نادرا، والأحكام تتعلق بالغالب. وكان بعض أشياخي يحكي عن بعض أشياخه أنه يسير إلى إنكار هذا التخريج، ويقول: إنما قال في المدونة إذا احتلم الغلام فليذهب حيث شاء، وأزال ولاية أبيه عنه بالاحتلام من تدبير نفسه وصيانة مهجته إذ الولد إذا بلغ عاقلا أمن عليه أبوه أن يلقي نفسه في مهواة أو

يقع فيما يؤدي إلى قتله وعطبه قصدا إلى ذلك. فالتهمة مرتفعة عن كل واحد في نفسه إذا كان عاقلا، ولا ترتفع عن كل عاقل في إتلاف المال لكون الشهوات تغلب على عقول كثير من الأحداث فيهون عليه إتلاف المال في تحصيلها.

فجعل الباري سبحانه صيانة أموالهم إلى آبائهم، وصيانة أنفسهم قبل بلوغهم.

فإذا بلغوا ارتفعت ولاية الأب عن ما لا يتهم فيه الولد وهو صيانة جسمه ونفسه، ولا ترتفع ولايته عن صيانة مال ولده لما قدمناه، فمن حاول أن يخرج قولا في المال: إن اليتيم يدفع إليه ماله بمجرد البلوغ، كما ذكرنا عن بعض أشياخنا، فإن ذلك تخريج غير صحيح.

لكن من أشار إلى الخلاف في هذا من أشياخي كان يعول على ما ذكرنا في المدونة ويعول على ما في كتاب ابن حبيب، في سفيه وجبت له الشفعة بعد رشده أن السنة تحسب عليه من بلوغه. فلو لم يكن بمجرد البلوغ رشيدا لما حسبت عليه من السنة المشهور التي كان فيها سفيها، وأسقطت شفعته بمضي سنة كان في شهور منها سفيها.

وهذا التخريج أشد إشكالا. لكونه قد قيل في المذهب: إن الشفعة تجب على الفور، فإن تأخر الشفيع عن الأخذ بالشفعة وقد علم به سقط حقه فيها، كمن اشترى سلعة فاطلع على عيب بها، فإنه إنما يقوم بالرد بالعيب بفور علمه به. وأما إن طال سقط حقه بالقيام به إذا تصرف به في المبيع من غير عذر.

وأما مجرد البلوغ مع حصول الرشد، فإنه يوجب تسليم المال من غير خلاف في الذكران. وأما في النسوان فالمشهور في المذهب عندنا افتقارهن إلى شرط ثالث وهو دخول زوجها بمن بلغت عاقلة رشيدة، ولم تبلغ سن التعنيس، وتزوجت، ولكن لم يدخل بها زوجها، فإنها عندنا لا يدفع إليها مالها بخلاف الذكران.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٧٨