تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "رفع القلم عن ثلاث .. " (1) فذكر الصبي حتى يحتلم.

وإنزال الماء الدافق هو الاحتلام، ولكنه في بعض الأشخاص قد يعدم وقد يتأخر، فيفتقر حينئذ إلى تطلب علامات تدل إليه، وهي إنبات الشعر في العانة، وبلوغ سنين لا يبلغها [إلا]، من احتلم. وهاتان العلامتان يستوي فيهما الذكر والأنثى.

وعلامتان أخريان يختص بهما النسوان.

فأما الإنبات: فكونه علما على البلوغ (وتكليف الثبوت) (2) وتوجه خطاب الشرع، فإنه مما اختلف العلماء فيه: فذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يكون علما أصلا.

والمشهور من مذهبنا كونه علما على الجملة.

ولم يختلف الشافعي في كونه علما في أولاد المشركين. واختلف قوله في كونه علما على البلوغ في أولاد المسلمين، وكأنه رأى على قوله بالتفرقة بين أولاد المسلمين وأولاد المشركين، أن أولاد المشركين لا طريق لنا إلى العلم بما ذهب من أعمارهم، فاضطررنا إلى اتخاذ الإنبات فيهم علما وأولاد المسلمين بين أظهرنالأولا تخفى أنسابهم بالبحث والاختبار، فعدل عن ذلك إلى ما يمكن مما هو الدلالة والعلامة أقوى.

وأيضا فإن أولاد المسلمين (3) يتهمون في كتمان البلوغ لئلا تجري عليهم أحكام الكبار من الكفار من قتل وضرب الجزية عليهم، إذ من لم يبلغ من الكفار لا نقتله ولا تلزمه الجزية، وهذه التهمة مرتفعة عن أبناء المسلمين إذ لا يباح دمهم، كبارا كانوا أو صغارا، إلا بجناية توجب ذلك، مما لا يسلم له،

لأن التهمة في كتمان البلوغ قد تتطرق أيضا في أبناء المسلمين مخافة من إقامة الحدود إليهم (1) وإلحاق العقوبات بهم.

وأما الخلاف المطلق في كونه علما في أبناء المسلمين وأبناء المشركين، أو كونه ليس بعلم فيهم، فإن من يراه علما يعتمد على ما ورد في الخبر من كونه - صلى الله عليه وسلم - لما حكم سعدا في بني قريظة فنزلوا على حكمه، فحكم فيهم بأن يقتل منهم من أثبت فصؤبه - صلى الله عليه وسلم -، وأخبر أنه حكم فيهم بحكم الله سبحانه وجعل جريان الموسى علما على البلوغ (2).

ومن لم ير ذلك علما فإنه يستند أيضا إلى ظواهر الشرع من قوله تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم﴾ (3). وقوله عليه السلام: "رفع عن أمتي ثلاث" (4) فذكر الصبي حتى يحتلم. فإثبات ما سوى ذلك علما يفتقر إلى دليل لا إشك الذيه. والإنبات لا يكون علما في العادات لأنا نراه يختلف في بني آدم، فمنهم من يتأخر نبات شعره، ومنهم من يعجل ذلك عليهم. فلو جعل نبات الشعر دليلا كان نبات اللحية أولى، ونباتها يختلف في الناس. وأيضا فإن ذلك يختلف باختلاف الأمزجة، فينبت الشعر مسرعا في مزاج ويتأخر في مزاج آخر كما يختلف بالغلظ والرقة واللون بحسب الأمزجة أيضا.

وأما كون السن علما على البلوغ، فإنه يكون دليلا على الجملة باتفاق، ولكن تقديره كثر الخلاف فيه. ألا ترى أن من ذهب من عمره الثلاثون سنة أو أكثر منها لا يشك عاقل في بلوغه المبلغ الذي يتعلق به التكليف؟ كما أن من لم يذهب من عمره إلا السبع سنين أو العشرة لا يشك عاقل في كونه لم يبلغ مبلغ التكليف، ويبقى بين هذين الطرفين وسائط يقع فيها

التشكك والإشكال، مثل خمس عشرة سنة، ففيه اختلاف الناس: فالمشهور عندنا ثماني عشرة سنة.

والشافعي يقدر ذلك بخمس عشرة سنة. وأبو حنيفة يفرق بين الذكور والإناث فيقول: في الذكر سبع عشرة سنة. والإناث تسع عشرة سنة. والتحاكم في هذا الاختلاف يرجع فيه إلى العادات فقد تختلف أهوية الأقطار والجهات، وأمزجة سكانها في هذا التقدير.

لكن الشافعي يستند إلى قول ابن عمر: "عرضت على النبي عليه السلام عام أحد وأنا ابن أربع عشر فردني ولم يرني بلغت، وعرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني" (1).

وقد تقرر في علم الأصول أن الراوي إذا نقل حكما وذكر سببه، فإن ذلك السبب يكون علة الحكم على الجملة كما روي أنه سها فسجد، فجعل السهو علة في السجود، وكما روي أن ماعزا زنا فرجم، فجعل الزنا علة في الرجم.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٧٧