وقال مطرف وابن الماجشون: لأبيه أو وصيه ألا يجيز عفوه، ويطلب حقه في عرضه وفي القصاص الذي يجب، ولو كانت التي جرحها خطأ، فاجاز عفوه عن ذلك؛ لأنه إنما يجب له فيها مال، وليس له أن يتلف ماله ويهبه، ولو كان الجرح جرحا أدى إلى موته فعفا عنه عند احتضاره عن قتل جارحه، وكان اللازم لقاتله الدية، فإن ذلك يكون في ثلثه، كما تنفذ وصايا الصبي في ثلثه، لأن بالموت استغنى مالك المال عن صيانته عليه، بخلاف عفوه عن مال يحتاج إليه إذا بقي حيا. ولو كان الذي أدى إلى قتله إنما يوجب القصاص لجاز عفوه فيه، لا سيما على مذهب ابن القاسم الذي أظنه يرى أن الدية في قتل العمد (3) إلا برضا القاتل ورضا ولي المقتول. وأما على طريقة أشهب الذي يرى أن لولي
المقتول أن يجبر القاتل على الدية. وقد قال مالك: إن لولي القتيل أن يأخذ مالا من القاتل بغير اختياره ويعفو عنه. (وعن مالك أن يملك عد مالكا (1)) على إحدى الطريقتين. وقد بسطنا هذا المعنى في كتاب الرجوع عن الشهادات، وذكرنا ما قيل فيه من الروايات.
وأما ما ليس بمال ولا هو مما يتملك وتجوز المعاوضة عليه، كطلاق السفيه وخلعه، فإن فقهاء الأمصار على إلزامه الطلاق. وخالف في ذلك ابن أبي ليلى وأبو يوسف ذهابا منهم إلى أن البضع قد ملك الانتفاع به وإن لم يكن ذلك من الحقوق والمالية المحضة، ففيه علاقة من المال لأن السفيه إذا طلق قد يحتاج في ثاني حال إلى أن يتزوج لئلا يقع في الزنا، فيكون لوليه تزويجه فيغرم عنه صداقا آخر، وهذا يتكرر منه إذا طلق الثانية والثالثة، وهذا يعود إلى إفساد ماله، فوجب رد طلاقه.
وقد رد ابن القصار عليهما بأن العبد لا يجوز له التصرف في ماله، ولو طلق لزمه الطلاق، فوجب أن يكون السفيه كذلك.
وهذا الذي رد عليهما به غير لازم لهما لأن العبد إذا طلق واحتاج إلى التزويج لم يلزم سيده أن يزوجه. والسفيه قد يلزم وصيه أن يزوجه إذا دعت ضرورة إلى ذلك، فارتفعت في العبد العلة التي وجدت في السفيه.
وقد وقع في المذهب عندنا قولان في إعتاقه أم ولده: هل يرد عتقه فيها أم لا؟
وأشار المغيرة إلى تعليل رد عتقه بأن ذلك يعود بضرر في ماله لكونه يحتاج إلى تزويج أو سرية، فلو كانت أم الولد لكانت تكفيه وتغنيه عن ذلك، وتعففه عن الزنا.
وهذه الإشارة إلى هذا التعليل قاد بعض الأشياخ المحققين إلى الميل إلى
التوقف، والتردد في إلزام السفيه طلاقه لأجل ما يلحقه من الضرر في المال، كما أشار إليه المغيرة وأن يقول بما قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف من رد طلاق السفيه؛ لأن أم الولد إذا قتلت أو جرحت أخذ السيد قيمتها أو قيمة جرحها، فقد صارت مما يترقب فيها أن تعود مالا محضا، وزوجة السفيه لا تعود مالا أبدا. وقد تكلمنا في الرجوع عن الشهادة على شهود شهدوا بعتق أم ولد ثم رجعوا عن الشهادة، كما تكلمنا على اختلاف الناس في غرامة شهيدين شهدا بالطلاق على رجل أنه طلق زوجته وقد دخل بها، ثم رجعا عن الشهادة. وأما عتق السفيه لأمة (1) التي ليس فيها عقد حرية فإن ذلك لا يمضي لكونه أتلف مالا محققا. وأما عتقه لأم ولده، فالأشهر أنه يمضي لكونه ما أتلف إلا استمتاعا. وقيل: يرد لكونه قد يحتاج إلى غرامة مال آخر فيما يستعفف به.
وعلى القول بأن عتقه فيها ماض: هل يتبعها مالها إذا كان كثيرا؟ فيه قولان: أحدهما أنه لا يتبعها لكونه أتلف مالا محضا.
والثاني أنه يتبعها لورود الشرع بأن المعتق يتبعه ماله فإن قلنا: إن العبد لا يملك اتضح كالإتلاف، (وكأنه مالا موضوعا في جزائه) (2) وإن قلنا: العبد يملك بعد ملك سيده أن ينتزع ماله وهي: من ملك أن يملك كالمالك على إحدى الطريقتين التي تقدمت.
والجواب عن السؤال التاسع أن يقال:
قد علق الله سبحانه أحكام التكليف بالبلوغ، كالمشعر بكمال العقل الطبيعي. وإنما يتطلب بعده عقل يكتسب من التجارب. قال تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم﴾ (3).