والسفيه البالغ أفعاله على الإمضاء حتى يحكم الحاكم بإطلاق الحجر عنه.
ففصل الجواب في هذه الأربعة أقسام، فرأى أن الحجر الذي أوجبه الجنون يرتفع حكمه بذهاب الجنون.
والسفه الموجب للحجر في حق البالغ العاقل لا يرفع حكم السفه بمجرد الرشد حتى يحكم به.
قال ابن القصار: والباب عندنا في هذا كله واحد. وهكذا ذكر القاضي عبد الوهاب أن الحجر لا يرتفع إلا بحكم حاكم في الصغير وفي السفيه والمجنون والمفلس. وأنكر أشياخي الحذاق هذه الطريقة. وأشار بعضهم إلى أنه لا يحسن خلاف في المجنون إذا بلغ رشيدا جائز الأفعال ثم جن، فإن ارتفاع الجنون عنه يرفع الحجر الذي أوجبه الجنون بخلاف أن يبلغ مجنونا فانه إذا عقل فلا بد من اختبار حاله فيحسن حينئذ القول بأنه يفتقر رفع الحجر عنه إلى حكم حاكم. وهذا الذي أشار إليه بعض أشياخي. ثم صرح ابن القصار فيه بخلاف ما ظن، فقال في كتابه في الرد على الشافعي في قوله الذي حكيناه عنه: إن ارتفاع
الجنون يوجب رفع الحجر من غير افتقار إلى حكم: إن هذا المجنون إذا بلغ مجنونا فإنه يجب اختبار حاله بعد ارتفاع الجنون ليعلم هل هو رشيد أم لا؟.
قال: وإن بلغ رشيدا ثم جن ثم عقل فإنه وإن ارتفع الجنون عنه -وقد كان قبله رشيدا- لم نأمن أن يكون الجنون غير ميزه وسداد رأيه في تصرفه فيفتقر فيه أيضا إلى اختبار زوال العقل: هل زال على صورة عاد معها العقل إلى الحال الأول، أو زال على صورة نقص العقل فيها عما كان عليه قبل ذلك؟. وهكذا رد عليه في المجلس بأن أشار أيضا إلى هذا المعنى بأن التفليس والتحجير على الإنسان في ماله، ومنعه مما اعتاد فيه يوجب تغيير مزاجه وميزه، وقد يأسف على أن يكون لم يتلف ماله في اللذات حتى لا يحال بينه وبينه. فيجب أن يفتقر فيه إذا ارتفع الحجر عنه هل يتغير ذلك الذي عرف عنه قبل الحجر أم لا؟ وذكرنا عنه أن السفيه البالغ لا يخرج عن ذلك إذا رشد إلا بحكم. وكنا حكينا عنه أن السفيه المهمل تمضي أفعاله، كما حكاه ابن القصار هناك وهاهنا عنه.
فلعل هذا الذي قاله في سفيه بالغ حجر عليه بحكم، وبعض أشياخي المحققين يرون أن الصواب اتباع العلة؛ فإذا رشد من حجر عليه بحكم جازت أفعاله وإن لم يحكم بارتفاع الحكم الأول لوجود العلة التي توجب الحكم الثاني، وكذلك يرى أن السفيه المهمل، الصواب فيه (1) قال ابن القاسم: من رد أفعاله لأن الحكم بالإطلاق إنما هو ثمرة الرشد ومعلوله، وكذلك التحجير شدة السفه ومعلوله، فلا معنى لاطراح العلل والالتفات إلى المعلول دونها.
والجواب عن السؤال الثامن أن يقال:
أما ما يتعلق ببدن السفيه البالغ ولا علاقة بينه وبين ماله، فإن إقراره به لازم له كما يلزم العاقل الرشيد، مثل أن يقر بقتل رجل محمدا، فيجب عليه القصاص، وقطع (2) عضو منه، أو جرح محمدا، فإن القصاص واجب عليه كما
يجب على البالغ العاقل الرشيد. بخلاف إقراره بما يلزم غرامة في ماله. والعلة في ذلك أنه لا يتهم مع وجود العقل عاقل -سفيها كان أو رشيدا- أن يقر بما يؤدي إلى قتله أو قطع يده، وهو يقول في ذلك الكذب ويتعمده.
وأما المال فيتهم في ذلك السفيه أن يعطيه إنسان دينا يستعجل إنفاقه ليتلف ما (1) في يد وصيه لهوانها عنده لكونه ممنوعا منها، وحاله في ذلك كحال العبد. أو أقر بمال ما لزمه ذلك إذا كان محجورا عليه، ولو أقر بما يوجب قتله قصاصا منه لأخذ بذلك ولم يتهم فيه.
وأما عفوه عن غيره فيما وجب له من هذه المعاني: كرجل قذفه فوجب أن يحد، أو جرحه محمدا فوجب أن يقتص منه، فإن المذهب على قولين: أجاز ابن القاسم عفوه عنه لما كان ذلك ليس بمال وإنما يصدق (2) عليه الشرع المال بجهله بمقداره والحاجة إليه. وأما عرضه فلا يلزم أباه أو وصيه أن يرد عفوه عنه إذ ليس بمال فيتلفه.