تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بالتصرف فيه يقع في إفساده المال، فلا معنى للتفرقة.

وإذا تقرر هذا وهو تذييل لما قدمناه في المسألة التي قبل هذا: فإن من لم يطلع على تبذيره إلا بعد بلوغه وعقله، فإنه يرى أيضا أبو حنيفة أنه لا يبتدأ بالحجر عليه. وتابعه على هذا من أصحابه زفر وحده. وأما صاحباه المشهوران به: أبو يوسف ومحمد بن الحسن: فإنهما خالفاه في هذا، واتبعا الجماعة: مالكا والشافعي وابن حنبل وإسحاق والأوزاعي وأهل المدينة وأهل الشام في ذهابهم إلى أنه يبتدأ الحجر على الكبير إذا سفه.

وما قدمناه في صدر المسألة من كون أبي حنيفة يجوز تخصيص العلة الشرعية، حملت على هذا المذهب، فأباح ترك السفيه البالغ الذي لم يتقدم عليه الحجر على الإطلاق، ومكنه من تصرفه في ماله، ومنع أن يؤخذ من يديه.

(والجماعة إذا منع منهم تخصيص العلة كان ذلك كافيا عنده في الرد على أبي حنيفة) (1) ولكن تعلقوا بان طائفة من الصحابة، رضي الله عنهم، ذهبوا إلى الحجر علئ الكبير السفيه. وذكروا قصة عثمان وعلي، رضي الله عنهما، لما اشترى عبد الله بن جعفر أرضا سبخة بستين ألف درهم، فرفع ذلك علي رضي الله عنه

إلى عثمان بن عفان، وقال له: احجر على عبد الله بن جعفر لأنه اشترى أرضا سبخة بستين ألفا. وقد كان عبد الله بن جعفر بن أبي طالب شارك فيها الزبير فصارت بينهما نصفين. فقال عثمان لعلي رضي الله عنهما: كيف أحجر على من شريكه الزبير؟

فلولا أن عليا وعثمان يذهبان إلى الحجر كما طلب علي من عثمان ما خالف الشرع، ولما كان جواب عثمان له أن يقول: شريكه الزبير. إشارة إلى أن

ذلك يدل على ارتفاع الغبن، ولكان جوابه أن يقول له: لا يصح الحجر على الكبير وقد عكسواهم هذا فقالوا: آخر الخبر يقتضي ما قلناه لأن عثمان امتنع من الحجر، ولو كان ذلك جائزا له واجبا عليه لما تركه.

وهذا يجابون عنه بأن عثمان يمكن أن يكون لما رأى الغبن لما صار بين اثنين قل مقداره عن المقدار الذي يرد من التغابن، أو يكون احتقر الغبن، وقد قيل عنه: مر بها فقال: هذه الأرض ما أشتريه ابن علين. ولعل الزبير وعبد الله بن جعفر يعتقدان غلط عثمان في التقويم لها. وقد ذكر أيضا أن عبد الله بن الزبير لما اتصل به إكثار عائشة رضي الله عنها من العطايا والصلات فقال: لتنتهين أو لأحجرن عليها.

فاتصل بها، فأقسمت ألا تكلمه، فأتى إليها معتذرا فقبلت عذره، فأشار أصحابنا إلى أن هذا كالإجماع الذي لا ينبغي أن يخالف، لا سيما على طريقة من ذهب من الأصوليين إلى أن الصحابي إذا قال قولا وانتشر في الصحابة فلم ينكره أحد منهم، فإن ذلك حجة لا يسوغ خلافها.

واحتج أصحابنا أيضا بقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ إلى قوله ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيف اأو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل﴾ (1)

فجعل تعالى للسفيه وليا يملل عنه، ومعناه يقر عنه بما باع عليه أو اشترى، بمنزلة المكاتبة المذكورة في أول الآية فدل ذلك على أن السفيه لا تمضي أفعاله ولا معاملاته، وإنما يمضي عليه من ذلك ما فعله وليه.

وقد قالوا ها هنا: إن السفيه هو المجنون. فقيل لهم: بل السفيه هو المبذر، والضعيف هو الصغير، والذي لا يستطيع أن يمل هو المجنون.

فهذه الثلاثة ألفاظ حمل كل واحد منها على فائدة أولى من حملها على فائدتين، وهما: الصغير والمجنون. وكذلك إن قالوا: إن أول الآية يدل على ما قلناه لأنه تعالى قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ (1) يخاطب سائر المؤمنين، والسفيه من المؤمنين.

فأسند تعالى المداينة إليه، فدل على جواز القضاء بها عليه.

وهذا يجاوبون عنه بأن ما ذكره في آخر الآية من استثناء هؤلاء الثلاثة أخرجهم عن عموم الخطاب الأول.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٦٩