وكذلك، تخيلهم أن سن البلوغ ثماني عشرة سنة، وهي حد لوجود العقل الطبيعي المعتدل.
وأشار الشرع إلى سبع سنين تمضي من العمر لكون ما بعدها مبدأ التفطن لما يستحسن ويستقبح، وينهض مقدار ما في الصبى من عقل إلى الشوق إلى تدبير نفسه. فإذا أضيف هذا الانتباه من العقل والتفطن إلى ثمانية عشر، بلغ العدد خمسا وعشرين سنة، فلم يحسن منعه من ماله.
وهذا أيضا خيال بعيد (كتخيل الشرع وضع) (1) ها هنا في غير المقصود الشرعي. ولاخفاء في سقوط مثل هذا.
وكذلك إن تعلق بقوله تعالى ﴿فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ وقوله "رشدا" نكرة في إثبات والنكرة في الإثبات لا تكون عموما على الشمول.
وإنما تكون عموما على البدل، كقوله تعالى ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ (2).
فمقتضى هذا، لو اقتصر عليه، أن الامتثال يحصل بأي بقرة شاؤوا.
وبخلاف العموم في تكرار النفي، فإنما يحمل على الشمول والاستعياب فإذا حصل رشد فا حسن معه دفع المال.
والعقل يسمى رشدا. ألا ترى إلى (قول قوم لوط) (1) ﴿أليس منكم رجل رشيد﴾. ولم يردها هنا بالرشد صيانة المال، وإنما أراد ها هنا العقل المقبح إلى (2) إتيان الذكران دون ما خلقه البارى تعالى للوطء وكثرة النسل، وأن ترك الإناث اقتصارا على الذكران من الجهل والإسراف كما قال تعالى فيهم "تجهلون". والجهل ضد العلم، وإن كنا لا نرى العقل يحسن ولا يقبح، وإنما ذلك من جهة الشرع، وأما من جهة الطباع والعوائد، فإنه يحسن ويقبح.
قالوا: فإذا حصل رشد ما وهو العقل، وجب رفع الحجر.
وهذا أيضا غير مسلم، لأن المراد ها هنا بالرشد الذي (3) تبذير المال. وقد قال تعالى: "ولا تؤتوا السفهاء" ثم عقب ذلك بقوله "فإن آنستم منهم رشدا" يريد ما هو ضد السفه ورافع له. فوجب حمل الكلام عليه مع أنه يقتضي قوله "فإن آنستم منهم رشدا" أنه إذا لم يونس رشدا فلا يدفع إليهم المال. فيصير دليل الخطاب ها هنا نكرة في النفي، وهي بخلاف كونها في الإثبات على ما عرف في كتب الأصول.
ثم إنهم إن جعلوا بلوغ خمس وعشرين سنة هي حد الدفع للمال، فلماذا أمروا قبلها إذا صح الرشد، وإن كان العلة حصول الرشد في جواز الدفع، فلماذا أباحوا الدفع في الخمس وعشرين سنة مع عدم الرشد ووجود السفه؟
والجواب عن السؤال الثالث
أن يقال:
قد قدمنا أن مذهب أبي حنيفة في أن السفه وإن كان علة في الحجر، فإنها علة لا تطرد. ولأجل هذا قال في السفيه إذا بلغ خمسا وعشرين سنة: إنه يرتفع الحجر عليه، لما قدمناه عنه من التعليل.
والدليل الذي منع هذه العلة من الاطراد ومذهبه الذي يضاف إليه في الأصول، أن العلة الشرعية لا يبطلها تخصيصها، خلافا لحذاق أهل الأصول.
وأما قبل الخمس وعشرين سنة. فإنه يثبت الحجر على من حجر عليه قبل بلوغه، واستدام السفه والتبذير .. لكن ظاهر مذهبه المنقول عنه في كتاب الخلاف أنه إنما يحجر على من تقاصر عمره عن الخمس وعشرين من السفهاء على أن لا يدفع إليه مال، لأن الحجر نوعان: حجر منع من أخذ المال. وحجر منع من التصرف فيه. لأن وجود العقل يثبت استئمان التصرف. والملك يثبت القبض لما ملك والحوز له. ويثبت التصرف فيه.
فأما أحد نوعي الحجر وهو المنع من أخذ المال، فيوافقنا عليه فيمن تقاصر عمره من السفهاء عن خمس وعشرين سنة. ويشير إلى أن هذا المنع منع احتياط.
وأما التصرف في المال، بالعقود بالبياعات والأشرية والإقرارات، فإن ظاهر ما نقل عنه أنه لا يحجر على السفيه فيه، ويرى أن المنع من أخذ المال قصارى ما فيه إلحاق السفيه بالفقير الذي عدم المال.
وأما من منعه من التصرف فيه، فيلحقه بالبهائم التي يستحيل منها التصرف، وهذا مستبعد، ولا يستبعد التشبيه بحال الصغير.
ونوقض في هذا بأن المنع من أخذ المال حسي مشاهد. وأما المنع من التصرف فيه فأمر ليس بحسي، وإنما هو إخبار عن حكم الشرع أنه أبطل عقوده وبياعاته، مع أن الحجر على السفيه يقطع على أن ذلك إنما كان نظرا له، لما عدم من النظر لنفسه. ومنعه من المال وإطلاق تصرفه فيه كالمتناقض، لأنه