والعموم إذا تعقبه تخصيص أو استثناء وجب المصير إليه.
فإن قالوا: إن السفيه قد اتفقنا على أن إقراره على نفسه بما يوجب الحد أو العقوبة يؤخذ به، فليكن المال كذلك.
قيل لهم: العاقل لا يتهم في أن يقر بباطل يؤدي إلى قتله، ويتهم في أن يقر بما يؤدي إلى إتلاف ماله لغرض له في ذلك لا يقع في مثله العقلاء الرشداء.
وكذلك إن قالوا: فإنه لو صرح بأن ما يعقده في المستقبل مفسوخا (2)، وكان رشيد، لم يؤخذ بهذا القول.
فتصرف الإنسان في ماله أبسط من تصرف غيره. وكذلك لا يؤثر قول الحاكم: أبطلت عقوده من المستقبل وكيف يحل ما لم يعقد ويبطل ما لم يوجد؟
فيقال لهم: إنما يتسلط الحكم على أن عقوده لا تلزمه. وهذا معنى يتصور قبل العقد، كما يتصور بعد العقد فسخ العقد لكونه غير لازم.
فإذا تقرر أن السفيه الكبير يستأنف الحجر عليه، فإن المذهب على قولين
في صفة السفه الذي يوجب الحجر عليه:
فمذهب ابن القاسم أن السفه الذي يمنع السفيه أن يعطى ماله إذا بلغ يوجب أيضا استئناف الحجر عليه إن كان كبيرا مهملا.
ومذهب أشهب أن استئناف الحجر لا يسوغ إلا بثبوت سفه ظاهر بين.
وكأن ابن القاسم رأى أن السفه في الصورتين جميعا، الموجب لتمادي الحجر والموجب لاستئنافه، لا يفترقان لكون الحكم متساويا والعلة واحدة.
وكأن أشهب رأى أن الحجر إذا لم يتقدم استئنافه بالانتقال من انسحاب الحال لا يثبت إلا بأمر بين، لا سيما مع مراعاة الخلاف لمذهب أبي حنيفة في قوله: لا يستأنف الحجر على الكبير.
والجواب عن السؤال الرابع
أن يقال:
إذا انكشف للمتأمل وجه المصلحة في الحجر على السفيه، انكشف له حقيقة السفه. وذلك أنا قدمنا أن المال به حفظ الحياة وقوامهما. كما نبه الله سبحانه في كتابه بقوله ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما﴾ (1). ومن لا يحسن إمساكه وتدبيره، ويبيعه من غير عوض صحيح حتى يعود محتاجا إلى ما يحفظ الحياة به، ولا يجده، ولا ينظر لنفسه، نظر الشرع له بإقامة من ينظر له.
فحقيقة السفه على هذا: تبذير المال وإتلافه.
وقد جعل الله سبحانه للإنسان دارين:
دارا عاجلة وهي الدنيا، يحتاج إلى تدبيرها وإصلاحها، ودار الآخرة التي
يحتاج أيضا إلى زاد يستعده لها وهو صلاح دينه.
فأما صلاح الدنيا وتدبيرها، فلا خلاف أنه معتبر في حقيقة السفه والرشد.
واختلفت عبارات أهل المذهب عنه:
فقيل: هو إحراز المال وصيانته عن التلف والتبذير.
وقيل: يضاف إلى هذا كون المالك له يحسن تثميره وتنميته.
وينظر فيهما: فإذا اجتمع في تدبير دنياه كونه محتاطا على المال صائنا له عن التلف والتبذير، وكونه منميا له ومثمرا له، لكونه يحسن التجر به ويتحرز في المعاملات من الغبن المتلف له، فإن هذا هو حقيقة الرشد من تدبير الدنيا بلا خلاف.
فإن انحل أحد الوصفين، فإن كان الانحل الذي جهة إمساكه وصيانته وحفظه، حتى يعتقد فيه أنه إذا سلم إليه أضاعه وأتلفه، فإنه لا يسلم إليه بلا خلاف على الجملة عندنا وعند الشافعي، على حسب ما قدمنا ذكره فيما سلف.
وإن كان انحلاله من ناحية كونه لا يحسن التجر به، فهذا الذي اختلفت فيه اشارات المذهب: فكأن من اعتبر هذا الوصف. اعتقد أن المال إذا أمسكه للإنفاق خاصة من غير أن ينظر في تنميته، ويعرض عنها مع تأتيها وإمكانها لهوان المال عليه، فإن ذلك يفني المال ويلحقه بمن لا يحسن صيانة المال وحفظه. وكأن من ذهب إلى كون هذا الوصف لا يشترط يقول: إنا إذا منعناه من المال، وأقمنا له قابضا له، فإنه لا يلزم القابض للمال، من أب أو وصي أو مقام، أن يتجر له به، وإنما تلزمه صيانته عليه وحفظه من التلف.
فإذا استوى الحال بينه وبين من يكلف حفظ هذا المال، كان إبقاؤه في يد مالكه أولى.
وهذا ينبغي عندي أن يلتفت فيه إلى اختلاف حال كثرة المال وقلته، وتحقق الفائدة فيه، وقوة الظن بحصولها وضعفه.