ولو هدده بذلك، على أن يأخذ مال رجل فيحمله إلى الذي هدده بالقتل، فإن المأمور لا يضمن ما حمل من ذلك إلى الغاصب، وإنما يطلب بذلك من صار الم الذي يده ظلما. ذكر ابن سحنون، في كتابه، هذين السؤالين، فحكى عن أبيه، في السؤال الأول، أن يتلف (1) المال يضمنه. وذكر عن نفسه في السؤال الثاني أن المأمور لا يضمن.
ولا يتحقق بينهما فرق إلا كون المحرق أو المغرق لمال غيره باشر التلف بيده، ولم يحصل للمهدد له بذلك غير الأمر، فصار كالسبب الملجئ إلى التلف، وإذا اجتمع في الإتلاف مباشر للتلف وسبب في التلف كان المباشر أولى بالتضمين. والمأمور بأن يحمل مال رجل إلى الآمر له بذلك قد هدده،
إن عصاه، بأن يفعل به ما ذكرناه، لم يباشر التلف، وإنما يتلفه الذي حصل في يديه، فصار إلى صاحب المال مرجع بغرامة ما حصل في يديه.
وهذا كله يجري على ما وقع في المسألة المشهورة التي ذكرناها في كتاب الرجوع عن الشهادات، في شاهدين شهدا عند القاضي بما يوجب قتل رجل مسلم، فلما قتله رجعا عن الشهادة، هل يقتص منهما أو لا يقتص؟ فيه الخلاف المشهور الذي ذكرناه، وهو كاختلاف (2) في المكره لغيره على أن يقتل رجلا.
وكذلك لو هدد رجل بالقتل إن لم يقطع هذا الرجل المهدد يد نفسه، فقطعها، ففيه اختلاف أيضا: هل له أن يقتص من المكره له على ذلك فتقطع يده به أم لا؟
والجواب عن السؤال التاسع عشر (1) أن يقال:
إذا ادعى رجل على رجل أنه غصبه شيئا، وأنكر المدعى عليه، فإن القول قول المدعى عليه، قياسا على سائر الدعاوي في الحقوق. إلا أن يقيم عليه بينة فيقضى بموجب شهادتها. وقد ذكر في المدونة في المدعي على رجل أنه غصبه سلعة، فأنكر ذلك، فشهد للمدعي شاهدان، أحدهما شهد بأن السلعة، التي ادعاها من زعم أنها غصبت منها (2)، ملك لهذا المدعي، وشهد آخر أنه عاين غصب هذا المدعى عليه لها من يد المدعي، فذكر أن هاتين الشهادتين لا تلفق، إحداهما إلى الأخرى. وإنما قال ذلك لأن الشهادتين إنما تلفقان إذا استوت معانيهما، واتفقت موجباتهما. والذي شهد بالملك لو انفرد لم يقض للمدعي بما شهد به له الآخر (3) يحلف مع شهادته. ولا يقتصر في اليمين على شهادته، وأنه صادق فيما شهد به، إلا بأن يضيف إلى ذلك ما باع ولا وهب.
أو (4) انفرد الشاهد بالغصب لحلف المدعي على أنه صادق في شهادته، ولم يلزمه أن يضيف إلى هذا أنه ما باع ولا وهب، لأنه إنما شهد بالحوز، وكون الشيء المغصوب بيد المدعي، فأخذه المدعى عليه من يده بغير اختياره.
وهذا لا يتضمن الشهادة بالملك لأن رؤية الشيء في يد من هو في يديه زمنا قليلا لا يدل على أنه مالكه، وإنما يدل على أنه مالكه طول السنين الكثيرة، ولم يرد مدع في هذا الذي حازه الحائز ولا نوزع في ذلك، وشاهد تصرفه فيه تصرف المالك، ويستمع دعواه أنه لنفسه، وملك له، ولا أحد ينكر ذلك. فقد
صار في الشهادتين اختلاف في هذين المعنيين، فلهذا لم يلفقهما (1).
على أنه إن تعقب هذا بأن الحوز، وإن (2) لم يبطل، فإنه يقضى برد الشيء لحائزه، والشهادة بالملك تقتضي ذلك أيضا. لكن يتصور الخلاف بين الشهادتين من الوجه الآخر، وهو صفة اليمين مع اختلاف حكم الشهادة بالملك والشهادة بالحوز، كما بسطنا القول فيه في كتاب الشهادات من كتابنا هذا. وأيضا فإنه قد يتصور الاختلاف بين مقتضى الشهادتين من وجه آخر، وهو أن هذه السلعة لو حدث بها عيب في يد آخذها من يد من كانت في يديه، فأراد من أخذت منه أن يضمن آخذها قيمة العيب، فإن الشهادة بالغصب توجب له ذلك، لأن الغاصب يضمن ما حدث عنده، والشهادة بالملك لا تقتضي ذلك، لأن المالك يجوز أن يكون باع ما يملك، أو وهبه، فلا يضمن ما حدث من غير جناية.
وقد ذكر في المدونة أن أحد الشاهدين بالملك لو انضاف إليه شاهد آخر، فشهد بأن (هذا الأرض حيز فلان الشهادتين تلفقان) (3) ويقضى له بما ادعاه من غير يمين. ولو كان المراد بقوله: إنها حوزه؛ لأن ذلك كان كما يحوزه، لكان هذا مناقضا لما ذكره في المسألة التي فرغنا منها، (ولكنه قول على أن المراد بقوله إنها ملكه فهذا لفق الشهادتين) (4).