تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه النكتة التي يدور عليها ما نذكره من تفصيل الأحوال وسبب الخلاف بين العلماء.

واعلم أنها إذا دلت الدلالة على كذبها حتى وجب أن تحد حد الفرية، لقذفها من تعلقت به، فإنه لا يجب لها صداق على الإطلاق. وإن انتفى الحد عنها فقد يجب الصداق في حال، ولا يجب في حال. فإن تعلقت برجل به ما ادعت به عليه، فإن مالكا صرف ذلك إلى اجتهاد القاضي. وكأنه لم يحسن عنده

إطلاق القول بتصديقها في دعوتها طلب الصداق، والأحسن عنده إطلاق القول بإسقاطه، لأن ما بني على قرائن الأحوال، التحقيق فيه اعتبار قرائن الأحوال في كل نازلة بعينها، وقد تكون قرينة في شخص، (1) آخر ولا تدل على مثل ما دلت عليه. ولهذا يقول أهل الأصول إن قرائن الأحوال المثمرة للعلم لا تنضبط بخط ولا لفظ .. وكأن أصحاب مالك رضي الله عنهم رأوا أن تتبع كل نازلة بعينها والالتفات إلى قرائن أحوالها ضرب من القضاء بجزئيات لا تنحصر ولا تنضبط، وقد يقع فيها الغلط من بعض الحكام ولو أن إثبات قاعدة أجبتم (2) لموارد الغلط، ولكنهم اختلفوا في هذه القاعدة، فابن القاسم يرى أنها لا يقضى لها بالصداق. وذكر هذا أيضا عن مالك. وكأنه رأى أن الأصل براءة الذمة من الغرامة إلا بإثباتات توجب الغرامة، وليس ها هنا سوى دعوة المرأة عليه مالا، والمال لا يقضى فيه بالدعوى، وليس كون الدعوى تشبه دلالة على تصديق المدعي.

ورأى غيره من أصحاب مالك أنها يقضى لها بالصداق، إذ ليس من قبل المدعى عليه ما يدل على كذبها، ومن قبنها ما يدل على صدقها من مقتضى العادة، إذ لا تتهم امرأة أن تفضح نفسها وتضيف إليها الزنى لتستوجب بذلك صداقا، ولعل الصداق مما يقل قدره، ولعلها (مما لا يحل) (3) قدرها.

وكان بعض أشياخي يلتفت إلى ما أشرنا إليه من اعتبار ارتفاع قدر المرأة وجلالة منصبها.

واختلف هؤلاء الموجبون لها الصداق هل يقضى لها بذلك بيمين أو بغير يمين؟ وهذا على ما كنا قدمناه مرارا في شهادة العادة في التداعي: هل تقوم

مقام شاهد واحد، أو مقام شاهدين؟ فمن أقامها مقام شاهد واحد استحلف المدعي معها.

وأما إن ادعت ذلك على رجل عدل صالح لا يليق به ذلك ففيه ثلاثة أقوال:

أحدها: أنها تحد له حد القذف.

والثاني: أنها لا تحد له حد القذف.

والثالث: أنها إن كانت تدمي لم تحد، وإن كانت ثيبا حدت حد القذف.

وهذا الاختلاف لما قدمنا تنبيها عليه، وذلك أن صلاحه يوجب تصديقه، وفضيحة نفسها توجب تصديقها، فأي القرينتين أولى أن تقدم؟ هذا سبب الخلاف، وإن كان أصبغ، في ذهابه إلى القول الثالث، رأى أنها إذا كانت دمي (1)، صار معها دليلان ما تلطخت به من العار والفضيحة، والدم الشاهد على الافتضاض. وإذا كان معها دليلان كان ذلك أولى من اعتبار صلاح الرجل وليس ذلك إلا دليلا واحدا.

وأما الحد لحق البارى سبحانه الذي هو حد الزنى، فلا يجب عليها لما بلغت إليه من فضيحة نفسها. (وأيضا فإنها بها أشد حاجة إلى قذفة زوجته بالزنى لنفي عن نفسه النسب وجعلت أيمانه الأربع مقام الشهادات) (2). وهذا أيضا له مدخل في تعليل سقوط القذف عنها في بعض هذه الفروع التي ذكرناها.

وأما لو كان هذا الاستكراه وطء أمة، فإن عندنا أنه لا يلزم فيها صداق مثلها، كما ذكرنا ذلك في الحرة، وإنما يلزم فيها ما نقص، على ما ذكرناه في كتابنا هذا في غير هذا الموضع، وذكرنا ما فيه من اختلاف في المذهب وتعليل.

ومما يلحق بما نحن فيه من الضمان المتعلق بالإكراه أن من هدد بالقتل

إن لم يقتل رجلا مسلما، لا تحل إراقة دمه، فإنه لا يحل له ذلك، إذ لا يفدي نفسه بإتلاف نفس رجل آخر. فإن فعل وجب عليه القصاص، وفي المكره له والآمر له بذلك، ممن لا يقدر على مخالفته، اختلاف: هل يجب عليه القصاص أم لا؟

ولو هدد رجل رجلا بالقتل، أو بإتلاف عضو، على أن يأخذ مال رجل فيحرقه أو يغرقه، ففعل ذلك، فإنه يضمن هذا المال، لأنه وقى به نفسه، فلزمه غرامة ما وقى به نفسه من مال غيره.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٦٢