وإذا لم يجد المدعى شاهدا بالغصب ولا بالملك، ولكن أتى بدعوى مجردة، فإنه يعتبر ها هنا حال المدعى عليه، هل هو من الأفاضل، والعدول، وأهل الورع، الذين تدل شواهد حالهم على كذب المدعى عليه (5)، فإن ابن القاسم أسقط اليمين عن هؤلاء، لكون الدعوى الأشبه (6)، وعاقب المدعي
لكونه أضاف إليهم معائب تحط أقدارهم. وقال أشهب: يحلف المدعى عليه الغصب على كل حال. وكأنه رأى أن قصد (الادا والانتقاض) (1) إنما يتصور فيمن أضاف إلى فاضل أنه سرق مالا لإنسان، ولا منفعة له في هذه الدعوى فعلم، بذلك أنه قصد الانتقام والإيذاء. فأما إن ادعى (نفسه فيه ضرورة إلى ذلك) (2) ويمكن أن يكون قال حقا دعته الضرورة إلى ذكر هذا الانتقاص. ألا ترى أن الله سبحانه أوجب على قاذف المحصنات المؤمنات حد الفرية، ولم يوجب ذلك على الزوج إذا أضاف إلى المرأة أنها زنت ينتفي (3) الولد عنه، لأجل حاجته وضرورته إلى ذكر هذا، واكتفى في نفي الحد عنه بيمينه الأربع مرات على صدق دعواه.
وأما إن كان الرجل المدعى عليه بالسرقة من أوسط الناس أو مجهول الحال، فإنه لا يعاقب المدعي عليه بالسرقة، لأن هذه الدعوى لا يبلغ إنقاصها مبلغها في انتقاص الأفاضل والصلحاء، مع كونه مضطرا إلى صيانة ماله بالدعوى.
وأما إن كان المدعى عليه مشهورا بالتسلط والظلم والغصب والتعدي فإنه لا يعاقب المدعي عليه الغصب لكون ما عرف من غصبه وظلمه يقوي دعوى المدعي. وله أن يستحلفه، وللحاكم أن يهدده، ويعاقبه لعله أن يخرج ما غصبه. وهذا الضرب والتهديد إنما يتضح القول به إذا قلنا: إن ميت ضرب ليخرج حقا كتمه، فأخرجه، فإنه يؤخذ بإقراره لأن سوء حاله، وما علم من ظلمه، مع إخراجه ما غصبه لو (4) سرقه على حسب ما ادعي عليه به، كدليلين دلا على أنه ما أقر إلا بما عنده مما ادعي، كما لو أقر وهوآمن.
وقد اختلف في هذا الأصل عندنا على ثلاثة أقوال:
فقيل: من ضربه القاضي ليقر بحق عنده لغيره، فأقر به، فإنه لا يؤخذ بإقرأره، ولو عين الشيء المدعى عليه به.
وقيل: بل يؤخذ بإقراره إذا عين الشيء أو لم يعينه، وهو اختيار سحنون، قال: وإنما يعرف هذا من ابتلي بالقضاء.
والقول الثالث: إنه إن أخرج عين ما ادعي عليه به بعد تخويفه وضربه، أخذ ذلك منه، وإن كان إنما ادعي عليه بشيء صار في ذمته (يأخذ له) (1)، كدنانير أو دراهم ادعي عليه بعضها، فإن ذلك لا يقضى عليه به حتى يقر آمنا، لأنه لم يحصل ها هنا سوى دليل واحد، وهو ما علم من ظلمه وسوء حاله.
بخلاف إذا أخرج العين المدعى عليه بها، فإنه يحصل من ذلك أمارتان على صدق المدعى عليه (2). وهذا إذا كان التهديد والضرب والسجن فعل ذلك بحكم شرعي، وأما من هدد وضرب، ظلما وعدوانا، ليقر، فإنه لا يلزمه إقراره.
ولو ادعى رجل في دار، بيد غاصب مشهور بالغصب، أنها له، لم يقض له بمجرد دعواه. ولو أثبت أنها ملكه، فزعم من هي في يديه أنه اشتراها منه، ودفع إليه الثمن، فاعتذر المالك بأنه إنما باعها ضربا (3) خوف امنه، وأقر بقبض الثمن لأجل مخافته منه أيضا، والذي الدار في يديه المدعي بشرائها مشهور بالظلم والتعدي والتسلط، فإن القول قول من ثبت له الملك: أني ما بعت منه إلا مخافة، وما أقررت بالثمن إلا مخافة.
ولو عاينت البينة قبض صاحب الدار ثمنها ممن زعم أنه باعها خوفا منه، لوجب عليه إذا نقض البيع رد الثمن، لمعاينتهم لفظه (4) له.
ولو ادعى أنه استرده منه سرا، لم يقبل دعواه، وهذا لأن معاينة البينة لقبض الثمن يوجب عليه الرد، ودعواه ما يسقط ما أوجبه، الظاهر لا يقبل منه.
واستحسن سحنون أن يشهد في السر على أنه إنما فعل ما ظهر من البيع لأجل مخافته ممن أخذ الدار منه. لكنه جعل لهذه الدعوى حكما بين حكمين، فقالوا لو بني هذا الظالم المشهور بالتعدي ينافي (1) هذه الدار، لم يمكن من أخذت منه من أخذها إلا حتى يدفع قيمة البناء قائما. ولو شهد له أنه أكره على بيعها لكان له أن يعطي قيمة البناء منقوضا.