والجواب عن هذا أن الزنى في مسألة المستكرهة في حق الواطئ لا في حق الموطوءة، لأنها ليست بزانية، ودليل ذلك سقوط الحد عنها، ونهيه عليه
السلام عن البغي فيما يكون الواطى والموطوءة فيه زانيين جميعا.
وكذلك الجواب عن تعلقهم بأنه تزوج بالمهر اقتضى جميعا (1) بين ضربين: بين ما يدرأ بالشبهة كوطء أحد الشريكين، وما يثبت بالشبهة وهو ضمان الوطء. إلى غير ذلك من المسائل التي تصور فيها هذا، فإنا نقول الذي يستحق المهر المرأة والذي يجب عليه الحد واطؤها، فكان هذا (2) حكمان في شخصين أو في مسألتين.
وقد احتج الشافعي لنفسه، بأن قال، بأن الواطئ في نكاح فاسد يلزمه الصداق، مع كون الزوجة راضية بالوطء، فإلزام الصداق في مسألة المستكرهة، التي وطئت بغير رضاها، أحرى وأولى. وقال بعض أصحابه لو وطئها بطوعها لم يجب الصداق، إذا (3) كانا زانيين، ولو وطئها بوجه شبهة لوجب الصداق.
وإذا وطئها مستكرهة اختص كل واحد منهما بحكم نفسه، من (4) غير زانية، فلها الصداق. وهو زان فعليه الحد.
واعلم أنه قد ورد في الشريعة اختلاف أحكام في فعل واحد، ألا ترى أن من قتل صيدا غير مملوك، وهو في الحل، فعليه جزاؤه، ولو قتل صيدا مملوكا، وهو محرم، كان جزاؤه حقا للبارى سبحانه، وعليه مع هذا غرامة ثانية، وهي قيمته يغرمها لمالكه. فصار في الفعلة الواحدة غرامتان حق لله سبحانه، وحق للمخلوقين.
وكذلك من قتل إنسانا خطأ، فعليه دية لأهله، وعليه كفارة القتل حق لله سبحانه، فهما حقان اختلف سببهما.
فكذلك لا يستنكر وجوب الحد على هذا الواطى، ووجوب غرامة الصداق.
ولا يعترض هذا بأن قتل العمد لا يجتمع فيه القصاص وإيجاب الدية، لأنهما حقان يستحقهما ولي القتيل على البدل لا مجموعين، والقتل فعل واحد وله بدلان قصاص ودية، فلا يجتمع البدلان جميعا عوضا عن مبدل واحد.
ويجري على أسلوب هذه المسألة مسألة قطع يد السارق حدا للسارق، وتغريمه لما سرق. فعند الشافعي أنه يقضى عليه بالقطع، الذي هو حد السرقة، وبغرامة المال الذي سرق.
وعند أبي حنيفة أنه إذا قطع لا يغرم ما سرق، ولا يجتمع عليه الحد والضمان، كما قال في وطء المستكرهة: فإنه يحد ولا يغرم صداق المثل، لأنه لا يجتمع أيضا حد وغرامة.
وكل واحد من هذين الإمامين جعل حكم وطء المستكرهة وثبوت الحد على الواطى مثل اجتماع قطع يد السارق وتغريمه ما سرق، فقال (1) واحد منهما في المسألتين بحكم واحد فيهما.
ومذهبنا نحن، في المشهور عندنا، أنه لا يتبع بالغرامة لما سرق إذا قطعت يده، إلا أن يكون موسرا متصل اليسر، على ما يبسط في موضعه إن شاء الله تعالى.
وكذلك سنتكلم في كتاب الحدود على وطء الرجل لأجنبية أكره على وطئها، فإن في حده اختلافا: فذهب مطرف وسحنون إلى إثبات الحد عليه واعتل سحنون أنه لا يتأتى منه الوطء إلا إذا أنشر وأنعظ، والإنعاظ لا يصح الإكراه عليه، بخلاف المرأة أنها إذا أكرهت على التمكين من فرجها إكراها لا تقدر على مدافعته، فإنها لا تحد بغير خلاف. وهذا إذا ثبت إكراه المرأة على
التمكين من وطئها بشهادة بينة عاينوا ذلك، فإنه يقضى لها بالصداق، ويحد واطؤها، ولا يقبل في ذلك أقل من أربعة شهود، وإن قصر عددهم عن الأربعة حدوا حد القذف، ثم يكون القضاء لها بالصداق أو القضاء عليها بسقوطه، يؤخذ حكمه من التفصيل الذي نذكره.
فاعلم أن المرأة إن لم يشهد الشهود بمعاينة وطئها مغلوبة على ذلك، وإنما شهدوا بمعاينة إدخالها البيت أكرهت على ذلك، وخلا بها المكره، فخرجت فادعت الإصابة فإنه يقبل ها هنا شهادة رجلين، لأنهما لم يشهد المعاينة الزنى فيكونان كقذفة، وإنما شهدا بصفة حال اقتضت العوائد أنه يدل على أنها وطئت، فإذا خرجت، وقالت: وطئني، صدقت مع يمينها. وأجري ذلك مجرى إرخاء الستور على الزوجة وادعت الوطء، فإنها تصدق لدلالة العادة أن الخلوة على حال إنما يقصد بها الوطء، يوجب تصديق الزوجة، ولشهادة العادة بصدقها. فأما إن لم تشهد بينة بالوطء اغتصابا ولا حملها للخلوة بها اغتصابا، وإنما جاءت متعلقة برجل زعمت أنه وطئها، فإن المعتبر في هذا دلالة قرائن الأحوال، ففي أي الجنبتين ثبت الدليل قضي بتصديق من شهد له هذا الدليل: إما الرجل المدعى عليه ما ذكرناه، أو المرأة المدعية لذلك. وإنما (1) افترقت الأدلة في الجانبين استعمل الترجيح، على حمسب ما يعرفه الأصوليون والفقهاء من الترجيح عند تعارض العلل والاستدلالات الظنية.