تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما إن تولى ذلك لنفسه، بأن ركب واستخدم، لا يضمن، ولا غرامة عليه للمنافع. وابن القاسم روى عنه رابعة: روى عنه في المدونة أنه لا يضمن

ما اغتل أو انتفع به في نفسه في الدواب، والرقيق، ويضمن ما انتفع به من غلة البقر والإبل والغنم.

وذكر قولا خامسا عن ابن المعدل: إنه لا يغرم قيمة غلة الحيوان.

وهذا الذي ذكرناه عن ابن القاسم إنه قال، في كتاب الغصب: إنه لا يغرم غلة الدواب والرقيق. وقال، في كتاب الاستحقاق من المدونة: إنه يغرم ذلك.

ومن المتأخرين من يقول: إن المذهب على أربعة أقوال، ويحكى ما ذكرناه على حسب ما ذكرناه، إلا ما نقلناه عن ابن المعدل فإنه لم يحكه.

وتحقيق القول عندي في هذا أن الشيء المغصوب، إن كان ربعا، فإنه اختلف قول مالك فيه، والمشهور عنده (1) أن الغاصب يغرم عوض المنافع، سواء انتفع به ابن فسه، بسكناه، أو زراعته فيها، أو أكراها من غيره. هذه الرواية المشهورة المعروفة عندي، وعليها جمهور أصحابه لكن ابن القصار ذكر في كتابه أن الشيخ أبا بكر الأبهري حكى له أن هناك رواية أن الغاصب لا يغرم عوضا عما سكن بنفسه أو أكراه. ونقل بعض أشياخي عن كتاب ابن القصار أن فيه رواية عن مالك أنه لا يغرم غفة شيء، من ربع أو غيره، قولا مطلقا.

وابن القصار لم أقف في كتابه إلا على ما نقلته عنه من قوله: إن الشيخ أبا بكر الأبهري حكى لي أن هناك رواية بأن الغاصب لدار لا يرد غلتها لأجل ضمانه. ولكن إذا قال في هذه الرواية: إنه لا يرد غلتها لأجل ضمانه، والدار من العقار الذي يومن هلاكه، وضمانه يبعد لبعد تغيره، فأحرى ألا يرد غلة الحيوان لسرعة تغيره الموجب لضمانه.

فصار في غلة الديار قولان:

المشهور منهما أن الغلة للغاصب، وأن عليه عوض ما انتفع به أو أكراه في الديار والعقار.

وأما غلة الإبل والبقر والغنم فالظاهر من المذهب أنها تلحق بالعقار لا بالرقيق والدواب.

واعتذر عن هذا بعض المتأخريين بأن غلاتها تحدث بالطبع والحيلة (1)

سواء أراد ذلك الغاصب أو لم يرده، لأن الصوف تنبت، واللبن يحدث، أراد الغاصب ذلك أو لم يرده بخلاف ما لا يصح به الانتفاع إلا بفعل الغاصب، كركوبه الدابة، واستخدامه العبد.

وهكذا اعتذر أيضا بعض المتأخرين عما رواه أبو الفرج من كون الغاصب للرقيق والدواب يضمن غلة ما أكراه من ذلك، ولا يضمن ما انتفع به من ذلك بنفسه، لأجل (2) أعواض المنافع إذا أخذها صارت كعين كأنه غصبها فعليه ردها كالصوف واللبن، يفارق ذلك استهلاكه المنافع لنفسه لأنه لم تحصل في يديه عين قائمة.

وأما إذا لم يستوف المنافع ولكنه عطل الشيء المغصوب، فقد حكينا عن أبي حنيفة أنه لا يوجب عليه غرامة في استيفائه المنافع فكيف إذا عطلها؟ ذلك أحرى (3) لا يجب عليه عوضها لأجل التعطيل.

وذكرنا عن الشافعي أنه يوجب عليه غرامة ما عطل منها، كما يوجب عليه غرامة ما استوفاه منها.

وأما نحن، إن قلنا: يجب عليه غرامة ما استوفاه منها، فهل يغرم عوض ما عطل منها؟ فيه قولان: المشهور الذي عليه الأكثر أنه لا يضمن قيمة ما عطل منها. وقد تقدم كلامنا على هذا في تضمين الغاصب هل يقاس ذلك على ما أتلف أو لا يقاس عليه؟ وأجرينا عليه الاختلاف في تضمين الغاصب نقص الأسواق.

فاعلم أن سبب الخلاف التعلق بظواهر من القرآن: فمن يجعل الغلة للغاصب يقول قال الله تعالى: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾ (1) وهو إذا رد العين المغصوبة فلا يكون عليه غرامة لقوله: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾ (1) وهذا قد أحسن إذا رد العين.

وقال أصحاب المذهب قال تعالى: ﴿إنما السبيل على الذين يظلمون الناس﴾ (2) وهذا الغاصب ظالم، فيجب أن يكون عليه سبيل، وهو الغرامة لما ظلم فيه من إتلاف المنافع.

والتعلق بمثل هذا ضعيف، لوجوه لا تكاد تخفى عمن قرأ أصول الفقه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٥٨