لكن اختلاف المذهبين لأجل التعلق بظاهرين وقعا في حديثين عن النبي عليه السلام هو أولى ما تعلق به. فمن لم من (3) تغريم الغاصب عرض (2) المنافع التي أتلف قال: هو ضامن الأعيان التي وقع بها الانتفاع، وقد قال عليه السلام: "الخراج بالضمان" (4) والغاصب ضامن. والخراج هو الغلة فلا يجب عليه غرامتها على ظاهر هذا الحديث، لأجل ضمانه.
وقد أجاب عن هذا أصحاب المذهب الثاني بأن قالوا: هذا الحديث، وإن كان عموما، فقد خرج على سبب، وذلك أن عمر بن عبد العزيز ترافع إليه خصمان في عبد، اشتراه فاغتله المشتري، ثم رده بعيب. فقال عمر بن عبد العزيز: يرد المشتري غلته معه. فقال له مخلد بن حفاف وعروة قالا: إن عائشة قالت: إن النبي عليه السلام قضى في مثل هذا أن الخراج بالضمان.
وهذا، وإن كان اللفظ عاما، فإنه خرج على سبب، وهو الرد بالعيب، والمشتري مالك لما اشتراه، ومباح له التصرف فيه، وله أن يقبل العبد بعينه (5)
فيكون الخراج له، لأنه حدث عما يملكه بالحقيقة، والغاصب أخذ منافع ما لا يملكه، ولا يحل له التصرف فيه، فلا يصح أن يقاس على المشتري إذا رد بعيب، لما بيناه من الفرق بينهما، مع ذهاب بعض الأصوليين إلى أن العموم إذا خرج على سبب قصر العموم عليه، واختص الحكم بالسبب، ولم يتعد إلى غيره. مع أن حديث عائشة رضي الله عنها (لم تنقل القضية التي قضى بها النبي عليه السلام قضى في مثلها هذا) (1).
وهذا أيضا فيه تنازع بين أهل الأصول. لكن قد روي عن أبي هريرة أنه قال: إن النبي عليه السلام قال: "الخراج بالضمان" ولم يذكر أبو هريرة سبب هذا الحديث عليه (2). فعلى رواية أبي هريرة أيبطل (3) ما اعترضنا به حديث عائشة رضي الله عنها.
وتعويل شيوخنا المحققين، واختيارهم أن الغاصب يرد الغلات في أي جنس كان، لأنه، كما وجب عليه رد العين، وجب رد منافعها لأجل أن الأعيان لا يملكها على الحقيقة إلا الله تعالى، وإنما تباع وتشترى منافعها، والأعيان لا يصح تملكها، لكن وقعت المعاوضة عنها لأجل أن المنافع لا يصح تناولها إلا من الأعيان، وهذه عهدة قاطعة.
وقول أصحاب أبي حنيفة لا نسلم أن المنافع مما لا يتمول، استدلالا منهم بأن المال مما يتمول. وإنما يصح التمول فيما يدخر للحاجة إليه، والمنافع لا يتصور فيها هذا، مع أن المريض له أن يهب منافع نفسه في مرضه فيبني دارا لإنسان، أو يعمل له منفعة قيمتها تزيد على ثلث ماله.، فلا يمكن الورثة من طلبه بشيء من قيمتها.
وكذلك لا مقال للغرماء في هبة منافعه، ولا يباع ذلك عليه إذا فلس.
وهذا الذي قالوه غير صحيح، لأن أخذ الابدال والإعراض (1) إنما يصح فيما يتمول، ومنافع الأعيان مما يصح العقد عليها بعوض، كما للإنسان أن يؤاجر عبده، ويكري داره. فلولا أنها مما يتمول لم يصح عقد الإجارة فيها.
وبعض أصحاب أبي حنيفة سلم أنها مما يتمول، ولكنه منع من وجه آخر، وهو كون الغصب لا يتصور، كما جمنع أبو حنيفة من تصور الغصب في الديار؛ لأن الغصب إزالة يد المالك بيد الغاصب، والمنافع تعدم عند وجودها فلا يصح استيلاء ربها عليها. فكذلك لا يصح استيلاء الغاصب عليها. ولا يتصور أيضا فيها الإتلاف، إن لم يصح الاستيلاء عليها، لأن ما يتلف ما صح بقاؤه، والمنافع أعراض تنعدم، ولا يحتاج انعدامها إلى أن يغرمها الغاصب.
وهذا الذي قاله كله تخييل لا تعلق له بمسألتنا. والذي يقطع الشغب فيه مناقضتهم بعقد الإجارة على المنافع. وجميع ما اعتلوا به من هذه العلل في كون المنافع لا يضمنها الغاصب موجود في عقد الإجارة عليها.
وإذا تقرر ما ذكرناه من الاختلاف في ضمان المنافع بأن الولد ليس بغلة، فيجري فيه مجرى الخلاف الذي قدمنا في ضمان الغاصب للغلات.
هذا المنصوص عليه عند جميع أهل المذهب. لكن تأول بعض المتأخرين من الأشياخ تخريج خلاف فيه من المسألة المشهورة في كتاب الرد بالعيب من قوله: إن من اشترى أمة فولدت عنده، واطلع على عيب يوجب تمكينه من ردها، وقد حملت عند المشتري وولدت، فإن الولادة تنقصها، وهذا النقص عيب حدث عند المشتري، ومن اطلع على عيب كان عند البائع، وقد حدث عنده عيب، فإنه، إن اختار الرد فإنه لا يرد حتى يغرم قيمة العيب الحادث عنده.