وقد نجز القول فيما يحدثه الغاصب والمتعدي، وبقي القول فيما يحدثه غير الغاصب فيما في يد الغاصب.
فلو غصب غاصب عبدا، فقتله رجل في يديه، فإن القيمة تلزم الغاصب يوم الغصب، وتلزم القاتل يوم القتل. فإن طلب صاحب العبد القاتل بالقيمة يوم القتل، فأخذ ذلك منه، وهي أقل من قيمته يوم الغصب، فهل له أن ينتفع (3) الغاصب بما بقي من القيمة يوم الغصب؟ فيه قولان:
أحدهما أنه له أن يتبعه، لأنه إنما أخذ من القاتل ما أخذ منه لأنه غريم للغاصب، فله طلب غريم غريمه بما وجد عنده، ويرجع ببقية دينه على من كان عليه في الأصل. وهذا اختيار ابن المواز. وذهب سحنون إلى أن اختياره طلب القاتل وعدوله عن الغاصب إبراء للغاصب، فليس له أن يرجع على الغاصب بما بقي عنده من القيمة اللازمة له يوم الغصب. واحتج سحنون بأن الغاصب لو باع العبد، فأجاز بيعه وأخذ الثمن، فإنه ليس له مطالبته بتمام القيمة. وكذلك لو أخذ القيمة، فليس له المطالبة ببقية الثمن.
وهذا الاحتجاج فيه نظر، لأنه إذا أجاز البيع سقطت مطالبته بحكم الغصب، وإذا أخذ القيمة يوم الغصب فإنما باع الغاصب ملك نفسه، ومن باع ملك نفسه لم يطالب بشيء من ثمنه.
ولو ابتدأ صاحب العبد بطلب الغاصب، وكانت قيمته يوم الغصب أقل من قيمته يوم القتل، فإنه فيه، أيضا، قولان:
أحدهما أنه لا يرجع على القاتل بما فضل عنده من قيمته يوم القتل، بل يرجع بذلك الغاصب الذي أغرم القيمة يوم الغصب، وإذا أغرمها يوم الغصب صار القتل وقع على ملكه، فله قيمته.
وذهب أشهب إلى أن ما فضل عند القاتل، لصاحب العبد أن يأخذه، وإن كان قد استغرم الغاصب القيمة يوم الغصب. قال: لأن الغاصب لا يربح.
وقد وقع لابن القاسم في كتاب السلم مثل هذا في الوكيل إذا تعدى فاغرم: إنه لا يربح.
ولو كانت الجناية على العبد، وهو في يد الغاصب، إتلاف عضو منه، فإن الأمر جار على ما قررناه من الخلاف، فإن أحب صاحب العبد أن يأخذ عين عبده، فإنه لا يغرم الغاصب قيمة الجناية، على المشهور من المذهب، في الجناية إذا كانت ليست من قبل الغاصب، وعلى ما خرجناه من قول سحنون له أن يغرم الغاصب.
وإذا كانت قيمة الجناية يوم الغصب خمسة، وعلى هذا وقع تقويم العبد، وأخذ صاحب العبد جميع قيمة العبد لسائر أعضائه، ووجدنا قيمة الجناية يوم جنى الجاني عشرة، فإن الغاصب الغارم لجميع القيمة يوم الغصب إذا أخذ من الجاني عشرة، فإنه يختلف في الخمسة الزائدة على ما قوم عليه يوم الغصب، هل تكون للغاصب، لأنه لما غرم القيمة ملك العبد فكانت قيمة الجناية له، أو يقال: إنه لا يربح، فتكون هذه الخمسة لسيد العبد؟
وهذا، من تدبر ما قلناه، فيما يلزم الغاصب غرامته أو لا يلزمه، عرف منه ما فصلناه ها هنا.
والجواب عن السؤال السابع عشر (1) أن يقال:
اختلف الناس في الغاصب هل يضمن منافع الشيء المغصوب أو لا يضمن؟
فذهب الشافعي إلى أنه يضمن سواء استوفى المنافع من الشيء المغصوب، أو لم يستوفها ولكنه عطلها.
وذهب أبو حنيفة أنه لا يضمن المنافع، سواء استوفاها أو عطلها، قولا مطلقا.
وإن مذهبنا (ففيه اختلافا) (1) عن مالك وعن أصحابه رضي الله عنهم، وذلك على قسمين:
أحدهما أن يستوفي المنافع ولا يعطلها.
والثاني ألا يستوفي منافع الشيء المغصوب بل عطله.
فأما إن استوفى المنافع، فبعض شيوخنا يحكي أن في المذهب خمسة أقوال:
أحدها: أنه يغرم المنافع التي استوفاها، سواء كانت منافع ديار أو عقار، أو منافع حيوان، وغيرها من ضروب المتملكات، باع المنافع، وأخذ أثقالها (2)، أو انتفع بها في نفسه، ويقول: إنها رواية عن مالك، رواها أشهب وابن زياد. ورواية أخرى عنه أنه لا يضمن شيئا من ذلك. ورواية ثالثة عنه، رواها أبو الفرج، وهو أنه يضمن منافع الدواب والرقيق، ويغرم العوض عنهما الذي أخذه ولم يحاب فيه في القيمة.