وأما أبو حنيفة فإن أصحابنا يحكون عنه: لا يضمن الفاتح على حال، وأنه لا يضمن التلف إلا إذا كان بفعل المتلف على جهة المباشرة.
وبعض أصحاب الشافعي يحكي عنه أنه إذا طار بالفور فإنه لا يضمن.
وهذا الاضطراب كله راجع إلى ما نبهنا عليه من التفرقة بين السبب الملجئ وغير الملجئ. ولهذا لو فتح هذا الفاتح القفص وحرك الطير بيده ليطير، فإنه يضمنه من غير خلاف، لأنه يصير قد باشر الإتلاف.
وإذا لم يكن منه أكثر من الفتح فهو سبب كان عنه فعل آخر، فهل يضاف ذلك إلى الفاعل للسبب أم لا؟ هذا موضع الاضطراب بين الأصوليين من أصحابنا والمعتزلة وبين الفقهاء.
ولو لم يكن منه سواء (1) فتح القفص، ولكن حاذى القفص رجل فطار الطائر، فإن ابن القصار، من أصحابنا، أفرد الفاتح بالضمان، ولم يلزم القيام (2)
على باب القفص غرامة. وفي كتاب الحج من المدونة في صيد رأى رجلا فذعر منه، فمات، فإنه عليه جزاؤه. فقد جعل ها هنا الذعر الحادث في نفس الصيد، الذي مات من أجله، يوجب ضمانه على الرجل المار، مع كون الرجل لم يحصل منه تعد، ولا سبب في الإهلاك، لكنه لما كانت حركته سببا في الذعر ضمنه.
وهكذا قيل في الدابة إذا رأت قائما على الطريق فذعرت منه، فهلكت، فإنه يضمنها. ولو قام في غير الطريق لم يضمن إلا أن تكون منه حركة لأجلها، فافرت (1) الدابة. فاعتبر في هذه المسألة كون ما فعل تعديا لا يجوز له، أو مباحا يجوز له، وهل صدر منه فعل كان سببا و (2) لم يصدر منه؟ فضمنه بصدور فعل منه، وإن لم يكن متعديا، على ما أطلق به الجواب.
وقد ذكر في كتاب الحج، فيمن نصب فسطاطا، فتعلق به طائر فهلك، أنه لا يضمنه. فاعتبر جواز الفعل، وكونه مباحا، وكون الضارب للفسطاط لا مشاركة له فيما فعله الصيد بنفسه.
وقد ذكر في المدونة، فيمن فتح دارا مغلقة على دواب، وليس بها أحد، فخرجت الدواب، فإنه يضمنها. وإن كان بها مكان (3) فإنه لا يضمنها.
ورأى أشهب أنه إذا كان بها سكان، والدواب مسرحة غير معقولة، فإنه وإن (4) كانت معقولة فإنه لا ضمان عليه.
وهكذا ذكر في المدونة في سارق فتح دارا، فسرق منها وخرج، وترك الباب مفتوحا، فإنه لا يضمن ما أخذ منها بعده إذا كانت مسكونة، كان أهلها نياما أو غير نيام.
وتعقب بعض المتأخرين هذا، وأشار إلى أنه هو سبب في التلف، فيجب ضمانه.
وهكذا إذا حل قيد عبد (1) خوفا من هروبه، فهرب العبد، فإن حكمه حكم فاتح القفص على الطائر فطار.
وفي الموازية فيمن قال لرجل: خذ عبدي فقيده، فلم يقيده، واعتذر بالنسيان، فقال: إنه يضمن. ولو قال: إقفل على هذا الطائر، فلم يفعل حتى طار، واعتذر بالنسيان، فإنه لا ضمان عليه.
وأشار بعض الأشياخ إلى أن هذا اختلاف قول منه، وهو كالاختلاف المذكور في المدونة في (إذا مشى بيتا) (2) فمشى على شيء فكسره قال: في تضمينه له اختلاف.
ولو كان زقا مملوءا زيتا مربوطا، فحل رباطه رجل، وأبقاه مستندا كما وجده، فأتى رجل فأسقطه، أو هبت ريح فأسقطته، فإن أصحاب الشافعي يرون ألا ضمان على فاتح الوكاء، سواء كان سقوطه بفعل إنسان أو هبوب ريح.
ويضمنون الذي أسقطه، لكونه باشر التلف. والذي حل الوكاء أو (3) يباشر التلف.
وهذا فيه نظر، والأولى أن يشترك في الضمان فاتح الوكاء والذي أسقطه من غير علم، إذا علم أنه لو أسقطه متكئا مربوطا لم يهرق ما فيه، ولو بقي محلولا لم يهرق ما فيه، فإذن كان التلف يعلم منه أنه لو انفرد أحد الأمرين لم يتلف الزيت، وإنما تلف باجتماعهما.
والذي ماسح الزق فسقط لأجل مماسحته، ولم يتعمد التلف فيه، والذي
حل الوكاء لم يقصد تلف ما فيه، فإنهما يضمنانه جميعا لاشتراكهما في التلف. كرجلين أخرجا شيئا ثقيلا من (جوز أو) (1) انفرد أحدهما لم يقدر على خروجه (2)، فإنهما يضمنان جميعا.