تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذهب ابن القاسم إلى أنه لا جزاء عليه فيه، وقدر أن القول ليس بسبب ملجئ إلى تلف هذا الصيد.

وقال أشهب عليه الجزاء.

وهذا يشير أيضا إلى الاختلاف الذي حكاه أبو محمد عن أصحابنا.

ويتعلق بهذا، الأمر لغيره بقتل إنسان، فإن المباشر يقتل من غير خلاف، وفي الأمر الخلاف والتفصيل الذي نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.

وهكذا لو شكا رجل رجلا إلى وال ظالم، يعلم أنه يتجاوز الحق في المشكو إليه، ويغرمه ما لا يغرمه (4)، والمظلوم لا تباعة للشاكي عليه، فإنه فيه

اختلاف أيضا: هل يغرم الشاكي للوالي ما استغرم المشكو أم لا؟

ومن أصحابنا من أسقط الضمان والغرامة على الشاكي إذا كان المشكو قد ظلمه.

إلى غير ذلك من المسائل التي يكثر تعدادها، وما ذكرناه هو الأصل في ويعتمد من رأى الغرور بالقول كالغرور بالفعل، وإليه كان يذهب شيخنا أبو محمد عبد الحميد، على الاتفاق على أن الشاهدين إذا شهدا على رجل بمال، فقضى القاضي عليه به، فسلمه لطالبه، ثم اعترفا بعد الحكم أنهما تعمدا الكذب وشهادة الزور، فإنهما يضمنان.

وأهل المذهب الآخر يفرقون بين الشاهد إذا رجع وبين من غر بالقول، أن الغرور (1) بالقول قادر على ألا يقبل قول الغار، فصار قول الغار، وإن كان سببا للتلف، فإنه غير ملجيء للتلف، وشهادة الشهود تلجئ القاضي إلى الحكم، وشتان بين سبب ملجئ وسبب (2) ملجئ ..

ويقول الآخرون هذا إنما يكون عذرا في حق الحاكم لأنه في وسعه أيضا ألا يقبل شهادة الشاهدين.

ويقول الآخرون إذا ترك القضاء بهما، وقد حرم الشرع ذلك عليه، فصار الشاهدان هم (3) السبب الملجئ للسبب .. وقد استقصينا هذا في كتاب الرجوع عن الشهادات.

وأما إن كان السبب المتلف كواسطة بين المتلف والتلف، وكان ملجئا للتلف، فإنه يحل محل المباشرة للتلف، كرجل طلب رجلا ليقتله ففر، فامسكه

آخر قاصدا إمساكه ليقتله الآخر، فإنه مشارك في القتل، ويتعلق به الضمان أيضا، والمطالبة بالدم. وألحق بهذا الفصل ما ذكره في المدونة فيمن حفر بئرا ليسقط فيها من أتى ليسرق ماله، فسقط فيها السارق فمات، أو سقط فيها غيره ممن لم يأت للسرقة، فإن الحافر للبئر يضمن ما سقط فيها فهلك، من سارق أو غيره، وقدر ذلك السبب الملجئ للتلف، على أن الساقط (1) فيها مشاركة، لأنه لو اجتهد وتحفظ، حتى يرى ما بين يديه، لم يسقط فيها، ولكن روعي في ذلك قصد الحافر بها للإهلاك، مع كون العادة المعلومة ضرورة ألا يقصد عاقل إهلاك نفسه، فصار الحافر قصد أهلاكه إذا غفل عن (2) والغالب غفلته إذ لا يتهم أحد في إهلاك نفسه.

وكذلك ذكر أيضا فيمن نصب شبكة (يحرس عتمد) (3) فيها من ذئب أو غيره، فعثر إنسان عليها فمات، أنه يضمن ذلك.

وهذا عند (4) إنما يلحق بالأسباب الملجئة إذا نصب ذلك لما يأتي، من سبع أو ذئب، وهو يعلم أنه لا يكاد يسلم من المرور عليه آدمي، أو ضربه على وجه لا يجوز له، أو في مكان لا يجوز له، قاصدا إتلاف حيوان فتلف فيه غيره.

وهذا أيضا في المدونة في إطلاق نار أحرقت (لم أر) (5) الجارة، واعتبر فيها هل فعل من ذلك ما لا يجوز له، فيكون ضامنا، أو يجوز له فلا يكون ضامنا.

وإن كان السبب غير ملجئ فهاهنا اضطراب في المذهب وبين فقهاء الأمصار، وذلك فيمن فتح قفصا مغلوقا على طائر، فطار الطائر لما فتح الغلق عنه، فإن مذهب مالك تضمين الفاتح، طار الطائر عند الفتح أو بعد تباطئ. ولم يختلف عن أبي حنيفة والشافعي في أنه إذا طار بعد تباطئ فإن الفاتح لا يضمنه.

وإنما اضطرب النقل عنهما في طيران هذا الطائر عقيب الفتح من غير مهلة.

فأصحاب الشافعي يقولون: إن قوله اختلف في هذا، وعولوا على قوله في بعض كتبه: إن من فتح قفصا مغلقا على طائر، فطار، فإنه لا يضمن. وقال في بعض كتبه: إذا وقف الطائر ثم طار، فإنه لا يضمن. فقيد نفي الضمان بتوقف الطائر عن الطيران، فدل هذا على أنه لو طار بالفور لضمن. وفي التعلق بهذا نظر عندي.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٥٥