وجوب رد العين وأنه مأمور بردها، وإن لم يطالبه المالك بذلك، وكان لا يتوصل إلى ردها إلا برد ما حدث فيها من سمن وجب أن تكون أيضا مضمونة على الغاصب كضمان العين المغصوبة، إذ ما لا يتوصل إلى فعل من الواجبات إلا بفعل آخر كان الفعل الآخر الموصل إلى الواجب واجبا أيضا. هذا على حكم الزيادة الحادثة بين (1) الغاصب وهي ما لا ينفصل عن العين المغصوبة.
وأما إن كانت الزيادة مما ينفصل عن العين المغصوبة، كأمة غصبها رجل فولدت عنده، ثم مات الولد، فقد تقدم كلامنا على هذا، وذكرنا اختلاف ابن القاسم وأشهب في تضمين الغاصب هذا الولد الحادث عنده، إذا مات وهو في يديه.
والتعليل في هذا الخلاف مبني على ما ذكرناه في تعليل الزيادة الحادثة التي لا تنفصل.
وأما لو كان غصب هذه الأمة، وهي حامل، فإن ذلك أوضح في تعليق (2) الغصب بالولد، لأنه كمن غصب وعاء، وهو حامل شيئا مختزنا فيه، فإنه يضمنه، ويضمن الوعاء، فكذلك العمل.
لكن اختلف قول مالك في العمل هل له حكم، ويقدر كأنه كالمنفصل، أو لا حكم له؟ وقد وقع عندنا اختلاف فيمن قال لأمته: ما في بطنك حر، ثم حدث عليه دين هل تباع في الدين الحادث بعد عتق الجنين، وهو لم ينفصل أم لا؟ فمن نقد (3) البيع فيها فكأنه قدر أن الجنين لا حكم له، بخلاف انفصاله فإن وجوه (4) متحقق متيقن ويصح وضع اليد عليه. فإذا كان حملا لم يتحقق وجوده.
ولو حدثت الزيادة في البدن، ثم ذهبت، ثم عادت، ثم ذهبت، وهي من جنس واحد، كجارية غصبت هزيلة، ثم سمنت، ثم هزلت، فإن أصحاب الشافعي عندهم قولان في أن يضمن السمن الأول الذي ذهب والسمن الثاني يضمنه أيضا، أو
لا يضمن الأول، ويقدر ما حدث بعده من السمن عوضا منه، فكأن السمن لم يذهب.
وعندي أنا لو كنا نقول بما قاله: إن الزيادة الغير منفصلة مضمونة لكان أيضا عندنا في هذا قولان مثل ما عندهم. وهي عندي مخرجة من اختلاف أصحابنا في الجارية إذا اشتريت وولدت عند المشتري، ونقصتها الولادة، فهل يكون نقص الولادة يجبر بقيمة الولد، لأن الولد كان عن ذلك النقص، أو لا يجبر لأن النقص في الذمة، ولا يغرم عنه عوض آخر، فكذلك هذه المسألة.
والجواب عن السؤال السادس عشر (1) أن يقال:
أما الإتلاف بمباشرة الفاعل فإنه لا خفاء في تعلق الضمان به، كمن ذبح رجلا أو بهيمة، أو طرحهما في مهواة يعلم أنهما يهلكان بطرحهما، أو أخذ ثوبا فأحرقه، أو طعاما فأكله.
وأما إن كان الإتلاف ليس عن مباشرة قدرة الفاعل له، لكن بواسطة (2).
وسبب هذا الاختلاف، وهو الذي يذكره المتكلمون من أهل الأصول في كتبهم، أنه من المتولدات عن أسباب يفعلها الفاعل. ونختلف، نحن والمعتزلة، في كون المسبب مقدورا لفاعل السبب، أوليس بمقدور له، وإنما يحدثه البارى سبحانه بعادة جارية، مثل ألم يحدث عن الضرر وشبهه. وهذا مستقصى، في كتب علم الكلام.
فاعلم أن هذا السبب المؤدي للإتلاف لا يخلو إما أن يكون حدث التلف عن سبب هو فعل من الأفعال، أو عن سبب هو قول من الأقوال.
فإن حدث عن سبب هو قول من الأقوال فإن في ذلك اختلافا في المذهب إذا كان السبب غير متضمن الإتلاف فلا (3) بد، مثل الغرور بالقول، فيقول
الصيرفي لمن استرشده في دينار، هو زائف أو طيب، ليأخذه ممن هو له عليه، فيقول له: طيب. والصيرفي يعلم أنه زائف، وتعذر بذله (1)، فإن الصيرفي في غرامته، لمن استرشده فكذبه، قولان. وكذلك لو غر رجل رجلا في جرة أراد أن يصب فيها، فقال له: هل (2) صحيحة، وهو يعلم أنها مكسورة، فإن في ضمان الغار للزيت قولين.
ولو دل رجل رجلا ظالما على مال أخفاه صاحبه، فأخذه الظالم لأجل دلالة هذا الدال عليه، لكان أيضا في ضمان الدال قولان.
وذكر الشيخ أبو محمد ابن أبي زيد أن المتأخرين من أهل المذهب اختلفوا في ذلك. واختلافهم في هذا يشير إلى اختلاف ابن القاسم وأشهب فيمن (دل محرم على صيد فقتله المحرم) (3) فإن القاتل لم يلزمه جزاؤه من غير خلاف، والدال له عليه حتى قتله فيه قولان: