تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد وقع عندنا اضطراب في المذهب في تغيير (2) الأثمان بالزيادة والنقصان، هل ذلك كتبدل الأعيان أم لا؟ وقد نبهنا عليه في كتاب الوكالات.

وقد وقع عندنا في المبسوط في هذه المسألة مثل مذهب أبي حنيفة أن جحود بعض صفات السلعة المغصوبة كإخفائها بجملتها. بناء (3) من قال هذا من أصحابنا على ما قدمناه في تعليل مذهب أبي حنيفة.

واعلم أن هذه المسألة مبدأ النظر فيها أن تعلم أن كل عوض لا بد له من (معنا بل له) (4) في المعاوضة حتى يكون أحدهما ثمنا والآخر مثمونا أو

كالمثمون، ألا ترى أن من اشترى سلعة بثمن فإنه من ضرورة هذا العقد أن يكون لثمنه الذي يدل (1) عوض، وهو السلعة المبيعة، فكذلك إذا أخذ من الغاصب القيمة، فلا بد أن يجعل في مقابلتها عوضا منها. فنحن وأبو حنيفة نرى أن عوض قيمة العين المغصوبة و (2)، إذا ئذلت دنانير في مقابل سلعة صح أن باذل الدنانير قد ملك السلعة بما بذل، وإذا كان قد ملكها فلا ينتقض هذا التمليك بقدرته على ردها على صاحبها بعد أن كان عاجزا عن ذلك.

ويقول الشافعي: إنما هذه القيمة المأخوذة من الغاصب في مقابلة الحيلولة التي فعلها بمالك السلعة، وحال بينه وبينها، ومنعه من الانتفاع بها.

وهذه الحيلولة ليست بسلعة تملك، فإذا ذهبت الحيلولة، وهي العلة في أخذ القيمة، لم يصح التمليك للسلعة ولا كانت السلعة ملكا للغاصب حين غرم القيمة. وإذا لم يكن له ملك حين غرم القيمة، فإذا ظهرت بقيت على ملك ربها.

وترددت المسألة بين مسألتين أيضا، وهي أن المتيمم، لعجزه عن الماء، إذا تيمم ثم وجد الماء انتقل الحكم إلى حال القدرة على الماء، وبطل ما تقدم من التيمم للقدرة على الأصل الذي (3) معجوزا عنه. فكذلك الغاصب العاجز عن رد السلعة المغصوبة إذا أخذ منه القيمة لعجزه عن الرد، فإذا قدر على الرد الذي هو الأصل انتقل الحكم إليه. في مقابلة هذا أن المظاهر إذا عجز عن عتق رقبة، وصام إن قدر، أو أطعم إن لم يقدر، ثم وجب (4) رقبة، فإنه لا يجب الرجوع إلى الأصل الذي كان معجوزا عنه.

ورد هذه المسألة إلى هاتين المسألتين ضعيف، لأنهما عبادتان، وحكم

العبادات خلاف حكم المعاملات. وإذا رتب الله سبحانه في عبادة فرضا بعد فرض، فقام المكلف بالفرض الثاني لعجزه عن الأول، فلا يلزمه أن يعود إلى الأول، فيصير كالمكلف فرضين، والله سبحانه لم يوجب عليه إلا أحدهما، والمتيمم تيمما في (1) عبادة لم تفرض لنفسها، فإذا لم يفعل المقصود بفرضها، فكأنه لم يفعل ما هو تبع لها ومراد من أجلها، فيصير كمن حضرت الصلاة ولم يتيمم، والماء موجود في أنه لا يختلف في أن التيمم لا يجوز له.

ومن أعظم ما عولت عليه الشافعية في مناقضة المالكية والحنفية أنهم يقولون: إن المدبر، عندكم، لا يجوز بيعه، وإن كنا نحن نجيزه، ثم إذا غصب (2) غاصب فأبق من يده، فإنكم تقضون بالقيمة عليه، والعين التي حرم الغاصب قيمتها مما لا يصح عندكم أن تباع ولا تملك، وهذا يشعر بأن القيمة في المغصوب عوض الحيلولة، لا عوضا لتمليك العين المغصوبة إذ المدبر لا يباع، وكذلك أم الولد يضمنها الغاصب بقيمتها، وهي مما لا يباع عندنا وعندكم ولا يصح تملكها. ثم مع هذا تقضون بقيمتها على الغاصب. فدل هذا على أن القيمة ليست عوضا عن تمليك الأعيان، بل لأجل الحيلولة.

وهذا من آكد ما يحتجون به.

ولكنا نجيب عنه بأن المدبر يترقب ملكه إذا مات سيده، وعليه دين يستغرقه، فلم يتحقق فيه انتفاء الملك.

وأما أم الولد فإن فيه عندنا قولين: ذهب سحنون إلى أنها لا يضمنها الغاصب، كما لا يضمن الحرة. فعلى هذا المذهب لا تصح مناقضتهم. وإن قلنا بمذهب ابن القاسم: إن غاصبها يضمنها، فإنها إذا قتلت لزم قاتلها قيمتها على أنها رق، ويتملك السيد هذه القيمة عوض الرقبة، كما يتملك أولياء الحر ديته إذا قتل، وهو مما لا يحملك. فقد صار لسيدها حق في قيمتها إذا قتلت،

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٥٢