تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال في ثمانية أبي زيد فيمن غصب جرة عصير، وقد صار فيها مبدأ التخليل: يضمنها على رجاء أن تصير خلا، أو لمخافة أن تعطب قبل ذلك.

وجعلها كالثمرة إذا أتلفت قبل الزهو.

والجواب عن السؤال الرابع عشر (1) أن يقال:

كنا قدمنا الكلام على الأصل الذي تبنى عليه هذه المسألة وذكرنا نكتا من حجاج المختلفين في أصلها، وإن كان الترتيب يقتضي تقديم ما نقول ها هنا إلى ما أشرنا إليه أنه نسق، ونؤخر ذلك المتقدم إلى هذا الموضع ولكن قطع عن هذا الترتيب قاطع.

فاعلم أن من غصب عبدا فأبق من يده، أو دابة فهربت له، أو سلعة خفي عنه مكانها لما طلب بها، فتلزمه القيمة والضمان، لأجل تعديه فيما وضع يده عليه، فحكم عليه بغرامة القيمة. ثم تمكن بعد أدائها من العين المغصوبة، فإن مذهب مالك وأبي حنيفة أن غرامة القيمة، التي قضي عليه بها، تصيره مالكا للعين، حتى إذا غرم قيمتها، للعجز عن ردها إلى صاحبها إذا قدر على ردها، فإن ذلك لا يبطل الحكم بالقيمة، بل يمضي عليها، إلا أن يتراضيا جميعا على نقض هذا الحكم، بأن يرد صاحب السلعة السلعة المغصوبة إلى ربها، ويقضى لصاحب السلعة المغصوبة بردها عليه، ويقضي عليه برد القيمة الذي (2) أخذ،

إلا أن يستأنفا تراضيا منهما على ما يجوز. وهذا إذا كان الغاصب لم يخف السلعة، وظهر أنه إنما امتنع من ردها على صاحبها عجزا منه على ذلك، لا إخفى (1) للسلعة، ورغبة فيها، حتى يكون كالمكره لصاحبها على أخذ بدلها عوضا عن عينها. وكان بعض أشياخي يرى أنه إذا لم يعلم كون الغاصب قد عجز عن ردها، ولم يكن أكثر من دعواه أن العبد أبق، أو السلعة خفيت عنه، ثم وجدت في يديه، فإنه لا يصدق في: إني قد كنت عجزت عن ردها على صاحبها، وتعذر ذلك علي.

وهذا بناء منه على استصحاب الحالين، فحاله الأولى كونها في يديه، فصار مدعيا لخروجها من يديه. والحالة الثانية كونها الآن بعد غرامته القيمة، ظهرت في يديه، فيحمل على أنها كانت كذلك فيما سبق من الزمان. وهذا عندي مما ينتظر (2) فيه. وظاهر كلام أشهب أنه إذا اتهم بالإخفاء حلف أنه لم يخفها. وكأنه رأى هذا لأن القيمة إنما يقضى عليه بها بناء على تصديقه فيما ادعاه من العجز عن ردها. فإذا بني الأمر على ذلك، فإن حمله على أنه أخفاه حلف حينئذ لمقتضى الحكم بالقيمة.

وإذا تحقق أن الغاصب أخفاها، وثبت ذلك، فإنه لم يختلف مالك ولا الشافعي ولا أبو حنيفة في أن الحكم بالقيمة ينتقض إذا طلب صاحبها نقضه، وأخذ السلعة من يد الغاصب، لما نبهنا عليه من كونه كالمكره على بيعها بالقيمة، والمكره بالبيع لا يلزمه البيع ..

ونحن، وإن كنا وافقنا أبا حنيفة، في أن الحكم لا ينتقض فإنا نخالفه في المشهور من مذهبنا في فصل آخر، وهو أن الغاصب إذا ادعى عجزه عن ردها، وظهر صدقه فغرم القيمة، على ما وصف السلعة المغصوبة به، وحلف على ذلك، وقد خالفه رئها على الصفة مثل أن يزعم الغاصب أنها على صفة تساوي

عشرة دنانير، فيقول صاحبها: بل هي على صفة تساوي عشرين دينارا، فإن الغاصب إذا غرم عشرة دنانير قيمتها، ثم ظهرت، فتبين كذبه، فإن المشهور من مذهبنا أن الغاصب إنما يلزمه إكمال القيمة الحقيقية، وهي عشرة دنانير التي جحدها، ويصير كأنه لم يخف العين بنفسها، فيلزمه غرمها إذا ظهرت، وإنما أخفى بعض صفاتها، وجحد بعض ثمنها، ويكون ما سواه قد مضى الحكم فيه بالقيمة، وما كذب عليه فيه غرم قيمته. وهذا تغليب لما قابل القيمة الحقيقية فينفذ فيه ملكا لغاصب. ويستحب (1) هذا الحكم والتمليك على الجزء الذي جحده الغاصب.

وعند أبي حنيفة أنه ينقض الحكم بالقيمة، ويرد صاحب السلعة القيمة التي أخذ، ويأخذ عين سلعته. وأجرى جحود بعض صفاتها مجرى إخفائها بجملتها، حتى يصير مكرها على بيع ما نجحده من صفاتها، كما يصير مكرها على البيع إذا أخفاها بجملتها. وهذا كتغليب حكم الجزء المجحود منها على الجزء المبيع بالقيمة الحقيقية.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٥١