تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واحتج أصحابنا بأن عامل عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إليه: أن الذمي يمر بنا ومعه التجارات والخمر. فأجابه عمر رضي الله عنه: "ولوهم بيعها، وخذوا العشر من أثمانها" فسمى فعلهم بيعا، فلولا أنهم يتملكونها لم يوقع عليها اسم البيع.

وأيضا فإنه قال "ولوهم بيعها وخذوا العشر من أثمانها" فسمى ذلك ثمنا، والثمن لا يكون إلا فيما يتملك.

وأيضا فإنهم يتصرفون فيها بشربها وبيعها من بعضهم بعضا، ولا ينكر ذلك عليهم أحد، فلولا أنها مما يتمولونها ما أقروا على ذلك.

وأيضا من جهة الاستدلال: إنه إنما يعتبر اعتقاد الإباحة، وجواز التملك، في حق المتلف عليه لا في حقال في أتلف، ألا ترى أن نصرانيا لو أتلف على مسلم مصحفا، لضمنه له، وإن كان الذمي لا يعتقد أن للمصحف قيمة. وإذا أتلف المسلم على ذمي خمرا، فاعتقاد المسلم أن ذلك محرم ولا قيمة عليه لا يعتبر، وإنما يعتبر اعتقاد الذمى أن الذي أتلف عليه مما يتملك وله قيمة.

فإن قيل: ينتقض هذا عليكم بعبد كافر في يد رجل كافر، فأسلم العبد فلم يبعه على الكافر حتى ارتد، فقتله مسلم بعد ارتداده ورجوعه إلى ملة سيده، فإنه لا يضمنه، ولم يعتبر ها هنا اعتقاد المتلف عليه؛ لأن سيده عنده أنه قد أصاب وأحسن في رجوعه إلى دينه.

وانفصل عن هذا بأن العبد لما ارتد هتك حرمة نفسه، وحرمة سيده، وأباح مهجة نفسه لأجل ما فعل، فلهذا لم يضمنه قاتله، والخمر إذا كانت في (1) نصراني فهي مما يتصور (أن تبيح نفسها ومالكها أيضا لم يبحها) (2)، فلهذا أوجب ضمانها، بخلاف العبد إذا أسلم ثم رجع إلى الكفر.

ويستدل الشافعي أيضا بأن النبي عليه السلام: "إن الله حرم الكلب وحرم ثمنه وحرم الخنزير والخمر" (3) كما أن الثمن بدل منه.

وهذا يجاوب عنه بأن الثمن عبارة عما سلمه مالكه طوعا منه على أن يسلم إليه عوضا منه، وأما الاستهلاك فهو بغير اختيار المالك، وإذا كان بغير

اختياره لم يتعلق به تحريم، بخلاف الثمن الذي فعله باختياره وقد تعلق به التحريم. ألا ترى أن أم الولد لا يحل بيعها وأخذ ثمنها، ومن قتلها غرم قيمتها لسيدها فقد صار الثمن ها هنا محرما، والقيمة غير محرمة. وكذلك لو أحرم رجل (1) في بيته صيدا ما جاز له أن يبيعه ويأخذ ثمنه ممن يذبحه، أو (2) ذبحه ذابح بغير اختياره لغرم له قيمته.

ومما يلحق بهذا أن من غصب حرا فباعه فإنه إذا غاب به مشتريه، وطلب فايس من وجوده، فإن غاصبه يضمن ديته لأهله هكذا قال في كتاب ابن حبيب .. وقد تقدم ذكرنا الخلاف فيمن غصب أم الولد، وأن ابن القاسم يرى أنه يضمن قيمتها على أنها أمة إذا فاتت في يده. وسحنون لا يضمنه قيمة، قال: كالحرة إذا غصبت. ومراده أنه غصب منافعها لا رقبتها، وغصب منافعها لا تضمن به رقبتها.

ومما يلحق بهذا غصب جلد ميتة، فإن ابن القاسم يوجب على مستهلكه قيمته، دبغ أو لم يدبغ. وحكى أبو الفرج عن مالك أنه إذا لم يدبغ فإنه لا يضمن مستهلكه فيه شيئا، وهكذا في المبسوط. وأما إن دبغ فإنا إن قلنا بجواز بيعه، وأن الدباغ يطهره الطهارة الكاملة، فإنه يقوم على أنه يجوز بيعه. وإن قلنا: بيعه لا يجوز، وإنما تفيد الطهارة جواز الانتفاع به، فإنه يقوم على أنه لا يجوز بيعه.

وذكر في المبسوط أنه إذا دبغ فإن مستهلكه إنما يغرم قيمة ما فيه من الدباغ.

وكأنه رأى أن عين الجلد نجسة، والنجس لا يباع، والدباغ كالساتر لنجاسته، وهو حلال، فهو الذي يقوم.

وهكذا الرجيع، الذي تزول (3) به الأرض، إذا أتلفه متلف، جرى على حكم جلد الميتة إذا لم يدبغ.

وكذلك الكلب المباح اتخاذه إذا قتل ظلما فإن على قاتله قيمته مطلقا، أو على أن بيعه لايحل.

وكذلك التمر والزرع، إذا لم يزه، وأتلفه متلف، فإنه يغرم قيمته، على الرجاء والخوف، رجاء أن يسلم من العطب إلى أن يصير تمرا، أو الخوف أن يعطب قبل ذلك ..

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٥٠