تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأما من لم يوجب إراقتها على من حبسها للتخليل فإنه يقدر أن من هي في يديه حائز لها، فإذا تخللت في يد الغاصب ردت إلى الحائز الأول.

وهذا الذي قاله هذا الشيخ أبو الطيب عبد المنعم ينظر إلى ما اعتل به

ابن القاسم لما قال: إن مالكا قال إن احتوى عليها فخللها فإنه يتملكها.

وقال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد، رحمه الله،: إنما كانت، إذا تخللت، لمن غصبت منه، لأن الغاصب لم تكن له فيها صنعة توجب أن يملكها بها.

وهكذا يقول الشافعي إنها ترد إلى الأول. وقد ذكرنا نحن مذهبه في أن التغيير في يد الغاصب لا يرفع حق صاحب الشيء من أن يأخذ عين ملكه .. وذكرنا عن أبي حنيفة أنه متى تغير الشيء في يد الغاصب تغيرا تغير به اسمه والمنفعة المقصودة منه، وضمنه بالقيمة، فإنه يتملك بذلك، ويسقط حق صاحبه في طلب عين هذا الذي غصب فتغير. لكنه ها هنا وافقنا في هذه المسألة، ووافق الشافعي فقال: إن الخمر تبقى للغاصب. بناء منه على ما أشرنا إليه من أنها لما كانت (1) تحل، ولا تتملك، ولا يجب على الغاصب لها من مسلم بذلها، بقيت (2) إذا تخللت.

بخلاف لو غصب عصيرا فخلله، فإنه يكون النحل له، ويجب عليه بذل (3) العصير؛ لأن العصير مما تجب غرامته على الغاصب، وقد تغير في يديه، فبقي المتغير له، ووجب عليه بذل (3) الأصل، وهو العصير.

وعندنا نحن: أن صاحب العصير غير بين أن يعطي بدله (4)، ويبقى النحل للغاصب، ويأخذه (5) من يد الغاصب، على إحدى الطرق التي قدمناها فيمن غصب قمحا فطحنه، أو شيئا يقضى فيه بالمثل، فخيره، أو ما يقتضى فيه بالقيمة فغيره.

ومما يلحق بما نحن فيه إتلاف الغاصب ما لا يحل بيعه. فقد بينا حكم غصب مسلم من مسلم خمرا.

ونتكلم الآن على غصب المسلم ذميا خمرا فأتلفها عليه. فالمذهب عندنا على قولين عن مالك وغيره من أصحابه: أن المسلم يضمن للذمي ما تلف عليه. وبهذا قال أبو حنيفة. وقال إن (1) الشافعي: لا يضمن له ما أتلف عليه مما لا يحل تموله في شرعنا. وبهذا أخذ عبد الملك بن الماجشون من أصحاب مالك.

والذي يولغ (2) به في المذاكرات في هذه المسألة: أن الاختلاف مبني على اختلاف الأصوليين في الكفار هل هم مخاطبون بفروع الشريعة أو غير مخاطبين، مع إجماعهم على أنهم مخاطبون بالإيمان بالله ورسوله؟

فمن يرى أنهم غير مخاطبين، والتحريم في فروع شريعتنا، اقتضى ذلك ما قاله مالك وأبو حنيفة من أن من أتلف من المسلمين على ذمي خمرا أوخنزيرا فإنه يغرم له قيمته، كما لو أتلف عليه ثوبا من ثيابه، أو عبدا من عبيده.

ومن يرى أنهم مخاطبون بفروع الشريعة اقتضى ذلك ما قاله الشافعي وعبد الملك من أن المسلم إذا أتلف على ذمي خمرا أو خنزيرا فإنه لا يضمن ذلك له، لأنه إنما أتلف عليهم محرما عليهم، فلا يضمنه، كما لو تلف (3) على مسلم خمرا.

هذه طريقة أشياخنا. وأما البغداديون، من أصحابنا، فإنهم يحابون (4)

أصحاب الشافعي بظواهر، ويحاجهم أصحاب الشافعي بظواهر أيضا، واستدلالات منا ومنهم. فيخص أصحاب الشافعي المسألة بعينها يكون الآية التي نزلت في تحريم الخمر إنما هي مقصورة على المسلمين لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر﴾ (1) الآية وما بعدها. فعلق التحريم بالمؤمنين، وأيضا قال: ﴿فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ (1) وإنما يرجى الفلاح باجتنابه من المسلم لا من الكافر، لأنه ما دام باقيا على كفره دهو غير مفلح، وإن لم يشرب الخمر.

وأيضا فإنه تعالى قال: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر﴾ (2) إنما يكره وقوعها بين المسلمين، وأما ما بين الكافرين فإنما يجب (3) وقوعها بينهم ليشتغلوا بما بينهم من الفتن عن المسلمين، وقد قال تعالى في آية آخرى: ﴿فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾ (4) فجعل هذا أحد عقوباته. وأيضا قال تعالى: ﴿ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة﴾ (5) والكافر لا يصلي لأجل كفره، ان لم يشرب الخمر، والمسلم يصلي ولكن يصده السكر عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٤٩