من حق صاحب الثوب والنيل أن يطلبه بعوض كل واحد، ويأخذهما بأعيانهما، ولا يدفع إليه الصبغ لأنها كأخذه التلفيق في الحجر إذا بناه.
وإن طلب أخذ العين، وقيمتها ناقصة عن قيمة كل واحد من الصباغ والثوب إذا جمعا، فهل له طلب النقص في أخذ العين؟ يجري على الخلاف، الذي قدمناه، في غاصب غصب عبدا، أو (1) طرأ عليه نقص يسير، فطلب أخذ عينه فهل له مطالبة النقص أم لا؟ فيه القولان المتقدمان.
ومما يلحق أيضا، لو غصب أرضا فبنى فيها، أو غرسها، فمذهبنا أن لصاحب الأرض أن يأمر الغاصب بالقلع، أو يعطيه قيمة النقوضر بعد أن يحط أجر القلع.
وعند أبي حنيفة أن الغاصب يملك الأرض بغراستها وبنائها، وتلزم قيمتها، بناء على أصله أن الأرض قد فاتت، فعليه عوضها لتغير الاسم، كانت تسمى براحا أو أرضا، فصارت تسمى دارا أو بستانا. والمنفعة المقصودة أيضا قد تغيرت.
وقد مضى الكلام على هذا وضبط مذهب الشافعي فيه.
ولو أن الغاصب لما غصب الأرض حفر فيها بئرا، أو مطمورا، فإن لرب الأرض، إذا استحقها منه، أن يأمره بردم ما حفر ليزيل ضرر الحفر عنه، وله أن يبقي الحفر ولا يطالبه بردمه. (ولو قال له الغاصب: لا بد أن تردمه وإن لم تختر صاحب الأرض) (2) فإن ظاهر مذهبنا، ومذهب بعض أصحاب الشافعي، أنه لا يمكن من ذلك، إذ فيه زيادة إضرار به من غير غرض له في ذلك، وربما منع صاحب الأرض من غرضه ومنفعته ببقائه محفورا.
ومن أصحاب الشافعي من ذهب إلى أن من حق الغاصب ذلك، وصور له
في ذلك غرضا بأن قال: قد يسقط إنسان أو بهيمة فيطلب الغاصب بضمانه .. ونوقضوا هؤلاء في هذا بان قالوا: لو غصب نقرة فضة، فصنعها دراهم فأراد رب الدراهم أخذها، فمنعه الغاصب من ذلك، وقال: لا تأخذها حتى أسيلها، وأردها نقرة كما كانت. فإنه لا يمكن من ذلك لأنه إضرار بمالك الشيء من غير عوض الغاصب (1) في ذلك.
وأجابوهم عن ذلك بأن حفر البئر قد بينا أنه قد يتصور للغاصب غرض ومنفعة في ردمه، ورد الدراهم نقرة لا يتصور فيها غرض أصلا.
على أنه قد يجابوا عن غرض الغاصب بأن يقال: إذا رضي صاحب الأرض ببقائها محفورة، والتزم ضمان ما سقط فيها، فقد يرتفع ما صورتموه من غرض الغاصب في ردمها.
وهذا أيضا فيه اضطراب من أصحاب هذه الطريقة في رفع عوض (2) الغاصب بانتقال الضمان عنه إلى صاحب الأرض.
والكلام فيه يتسع في اشتراك رجلين في فعل أتلف حيوانا، أحد الفعلين مباشر للتلف، والآخر سبب في التلف. (وقد يقال الغاصب قد نطلب ولا ينفعني ضمانك لقيتك أو يقرك) (2).
ولو كان الذي حفر البئر والمطمر حفر ذلك بوجه شبهة في أرض اشتراها، فإنه إذا استحقت من يديه طلب المستحق بقيمة ما أحدث فيها. ولكن الشيخ أبو محمد بن أبي زيد، رحمه الله، حمل هذه الرواية على أن المشتري طوى التي حفر بحجارة فهي التي تقوم. وخالفه بعض المتأخرين، ورأى أن المشتري له المطالبة بقيمة ما فعل في ذلك من منفعة وعمارة بخلاف الغاصب.
وهذا الاختلاف عندي يرجع إلى اختلاف المتقدمين من أصحاب مالك في مشتر اشترى قمحا فطحنه فأخذه المستحق من يده، فقيل: ليس على المستحق أجرة الطحن، لأنه ليس بعين. وقيل: بل عليه أجرة الطحن. وسنبسط هذا في كتاب الاستحقاق إن شاء الله تعالى.
والجواب عن السؤال الثالث عشر (1) أن يقال:
إذا غصب مسلم من مسلم خمرا فأراقها، فلا ضمان عليه، لأنه فعل الواجب من الإراقة التي كان مخاطبا بها من هي في يديه.
ولو أمسكها حتى تخللت لوجب عليه أن يردها لمن غصبها منه، لأنها، وإن كانت حين الغصب حراما، ليست بمال للمسلم الذي غصبت منه، فقد عادت خلا إنما (2) يتمولها المسلم الذي غصبت منه، فوجب أن يرد إليه.
ومن متأخري حذاق الأشياخ من خرج فيها خلافا فقال: من أوجب من أصحابنا إراقتها وإخراجها من يد المسلم، ومنعه من إمساكها ليخللها، أشعر ذلك بأنه غير (جائزاها) (3) ولا يد له عليها، فإذا غصبها منه مسلم عنده بقيت ملكا للمسلم الغاصب الذي تخللت عنده، لأنها، وإن لم يصح وضع اليد عليها وإمساكها للتخليل لا للأول ولا للثاني، فإنها، يوم صارت خلا، يصح حوزها وبقاء اليد عليها، فصار الغاصب التي هي تحت يديه يوم تخللت كمن وضع يده على طائر لا يحوزه أحد.