ولو قال أحدهما لصاحبه: أنا أغرم لك مثل ما خلطه الغاصب، وآخذ المختلط كله، فإن أشهب قال: لا يجب ذلك في القضاء ولكن بالتراخي (1) يباح لهما. قال يحيى بن عمر: على أنهما لا يفترقان قبل التقابض. ووقع لأشهب في موضع آخر أن ذلك لا يعلم ولا يجوز لأن هذا إنما رفع الضمان عن الغاصب أن يأخذ بدل قمحه قمحا وشعيرا، ويغرم عن الغاصب لصاحب الشعير الذي أتلف عليه. فأشار إلى أن للبارى سبحانه في ذلك حقا. ولا يتصور للبارى سبحانه في ذلك حق عندي، إلا من ناحية الانتقال عن معلوم إلى مجهول، أو من ناحية الوقوع في التفاضل الذي هو ربا محسوس، أو الربا المقدر في منع نوع بنوع آخر، على ما بسطناه في كتاب السلم، ولعلنا أن نعيد الكلام على هذه المسألة بأبسط من هذا في كتاب الوديعة إن شاء الله تعالى.
ومما يلحق بما نحن فيه، وإن كنا قد تكلمنا عليه في جملة أجملناها: من غصب ثوبا فصبغه، فإنه إن كان الصباغ إذا غسل خرج منه ما ينتفع به الغاصب، وطلب الغاصب استخراجه، فإنه يمكن من ذلك، ولكن لرب الثوب أن يدفع إليه قيمة ما يستخرج من الصباغ، ويبقى ذلك في ثوبه، وإذا كان لا منفعة له في ذلك (2). وهكذا قال ابن مسلمة، من أصحابنا، وهو قياس المذهب، ألا ترى قولهم في غاصب غصب أرضا وبنى فيها بناء: إن لرب الأرض أن يأمره بقلعه، وإن شاء أعطاه قيمة البناء مقلوعا، بعد أن يحط أجر القلع، لئلا يكون الغاصب
(قد أبطل تلفيقا له قيمة ولا منفعة له في إبطاله) (1) ولصاحب الأرض به انتفاع إن بقي، وهذا إضرار لا يمكن منه، ولصاحب الأرض أن يقبل هذا الإضرار ويأمره بإزالة ما بني في أرضه.
وإن كان الصبغ لا ينتقص منه شيء إن غسل ففي ذلك اختلاف في المذهب: المشهور عن ابن القاسم أن ذلك ليس بفوت للثوب المغصوب، ولصاحب الثوب أن يأخذه.
وروي عن ابن القاسم أن ذلك كالفوت، وللغاصب أن يعطي لرب الثوب قيمته غير مصبوغ، على حسب ما أخذه وكأنه قدر أن ذلك كالفوت لعين الثوب.
واعلم أنه لا بد ها هنا من بيع ملك أحدهما على صاحبه مراعاة لملك الآخر، فأي الملكين أو لا (2) أن يباع على صاحبه؟:
المشهور من المذهب أن مالك (3) الغاصب هو الذي يباع عليه، ويؤخذ منه باطلا (4) بغير عوض، لأجل أنه عرق طالق (5) والغاصب الذي غصب ظالم، والظالم أحق أن يحمل عليه، ولقوله عليه السلام: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" (6) وكأن من ذهب إلى أن ذلك فوت في الثوب غلب ها هنا حق الغاصب في أن لا يباع عليه، أو يفعل به ما هو أشد ضررا، وهو أن يؤخذ منه الصباغ باطلا بغير عوض، لأجل أن الثوب قد تغير بفعل الغاصب أخيرا أنال (7) المنفعة
المقصودة منه وهو اللبس، والجمهور لا يلبسون الثياب المصبوغة إلا بعض الأقطار.
لما رأى الشافعي التفاوت بين هذين الحقين لم يبع على صاحب الثوب ثوبه بغير اختياره، ولا على الغاصب صبغه بغير اختياره، فقال: إنهما شريكان في الثوب المصبوغ: صاحب الثوب بقيمته أبيض، وصاحب الصبغ بقيمة صبغه.
وإذا قلنا بالمشهور من مذهبنا، وهو أن حق صاحب الثوب مقدم في أن لا يزال ملكه من يده بغير اختياره فإذا مكناه من أخذه فهل عليه أن يبذل عوضا بدل الصبغ؟ اختلف المذهب فيه:
فقال ابن القاسم: عليه أن يبذل عوضا عن ذلك. وعلى ما كنا حكيناه عن المبسوط من أنه إذا كانت المنفعة كثيرة لم يأخذه حتى (1) عوض الصنعة، أو يكونا شريكين. وكأنه ها هنا (2) بين اليسير والكثير تغليبا لأحد الضررين ففي الإنفاق الكثير يشتد الضرر بالغاصب إن أخذت صبغته بغير عوض، وفي اليسير يخف ذلك. وكأن من قال لا يأخذ الثوب حتى يأخذ قيمة الصبغ قدر ذلك كعين قائمة، ولكنها، مع كونها عينا قائمة، لا تتميز عن الثوب المغصوب، فهل يجب على آخذ الثوب عوض هذه العين بأن كانت لا تتميز، كما يجب عليه إذا أبقى بناء الغاصب في أرضه أن يعطيه لكونه عينا قائمة؟ ولكنه يمكن ها هنا تميزه عن الأرض. أو يقال: إن الصبغ، وإن كان عينا قائمة لا تتميز، فأشبه ما فعله الغاصب من الآثار التي ليست يأعيان كتلفيق (3) البناء والتزويق والتجصيص وشبه ذلك، فإنه لا يعطى الغاصب عوضه. ولو غصب الغاصب ثوبا من رجل وغصب منه نيلا فصبغ به الثوب لكان