وعندي أن أصحاب هذا المذهب مذهبهم أن تزويق الغاصب لا يؤخذ منه بغير عوض. ولو كان الغاصب غصب زيتا جيدا فخلطه بزيت دنيء لكان الخيار ها هنا للمغصوب منه الزيت، عند هؤلاء، إن شاء (5) عن جود زيته، وأخذ من غير (6)
هذا المخلوط، وإن شاء لم يعف وغرم للغاصب مكيلة زيته في جودته.
ومن أصحاب الشافعي من يرى في المسألتين جميعا أن الزيت المختلط يباع ويقسم ثمنه على نسبة القيم الجيد والدنيء من الزيتين.
وهذا قول ابن القاسم في غاصب غصب قمحا من رجل وشعيرا من آخر فخلطهما جميعا، ورفع الضمان عن الغاصب، فإنه يباع الطعامان، ويقسم ثمنهما على قيمة القمح، فإن كان قيمة القمح دينارين، والشعير دينارا، بيع المختلط وقسم على الثلث والثلثين.
وهذه المسألة مشهورة (1) عندنا الاختلاف في حكمها، ووقعت فيها من الروايات ألفاظ قد يشكل بعضها، ويوهم أن يكون خلافا. وتلخيصها أن (2) صاحب القمح والشعير إذا أراد أن يستبد بالمخلوط ولا يغرم كل واحد منهما الغاصب بمثل ما غصب له، فإن هذا لا يمكنان منه عند سحنون ويمكنان منه عند ابن القاسم وأشهب وقد تأول سحنون على أشهب أنهما (3) يمنعهما من رفع التعدي، من مسألة سنذكرها. ووقع لأشهب أنهما إذا رفعا التعدي، وتضمين الغاصب، اقتسما المخلوط على مقدار كل واحد منهما، إذا رفعا العداء تراضيا بذلك؛ لأنهما إن اقتسماه على التفاضل ووقعا (4) في الربا وبيع الشعير بالقمح والقمح بالشعير متفاضلا، وذلك لا يجوز. فإن رفعا العداء على أن يكونا شريكين بقيمة مالك ل واحد منهما لم يجز ذلك عند أشهب، وأجازه ابن القاسم قولا مطلقا. لكن تأوله الأشياخ على أن المراد بإجازة ذلك حصول الشركة في المختلط لا أكثر، ولكن المفاضلة فيه بالتقويم على أنه لا يباع يوقع في الربا، كما قدمناه، والشركة فيه على أنهما يقتسمان ثمنه بعد عينه (5) على حسب القيم
لا ربا فيه. ويؤكد ما تأولوه أن ابن القاسم على ما رواه أبو زيد عنه، أن هذا المختلط يباع ويقتسمان الثمن على القيم. وروى عيسى عنه في العتبية، فيمن خلط قمحا بشعير تعديا، وذهب فلم يعرف، قال: يباع ويقسم الثمن على القيمة. واستحب أن لا يقسماه على الكيل. فأما سحنون فإنه لما منعهما من رفع التضمين للغاصب إلى أن الخلط كالإفات للعين، فإنما يجب لهما على الغاصب مثل ما تلف على كل واحد منهما، ولا يلزم تسليم المختلط لأنه صار بالخلط كالفائت العين، ولهذا قال سحنون، فيما ذهب إليه: والتمثيل لهذه المسألة في رجل غصبه خشبة، وغصب نجارا عملها: أن النجار وصاحب الخشبة لا يكونان شريكين فيهما، وإنما الواجب فيها القيمة على الغاصب. فهذا قد يشير إلى منعهما من رفع العداء لحق الغاصب ألا يؤخذ منه غير ما وجب عليه. وعند ابن القاسم وأشهب أن التضمين للغاصب حق لهما، ومن له حق فله إسقاطه. وان تصور في هذه المسألة، مع كون الحق لهما في التضمين، حق الله سبحانه، فإنما يتصور ذلك في أنهما إذا ملك كل واحد منهما أن يأخذ مثل ما أتلف عليه، فعدل عن ذلك إلى القناعة بأن يباع المختلط ويأخذ من ثمنه بمقدار قيمة ما أتلف عليه، صار ينتقل عن معلوم يأخذه إلى مجهول، وهو الذي ينوبه في التقويم، ومن ملك معلوما فليس له أن يعدل عنه إلى مجهول، لأن ذلك غرر، والغرر ممنوع.
على أن هذا الأصل فيه اضطراب في المذهب، فمن ذلك ما ذكروه في الاستحقاق لأكثر الثياب المبيعة: أن المشتري له رد بقية الصفقة، ويأخذ ثمنه الذي هو معلوم، وليس له التمسك ببقية الصفقة لقيمة (1) ما تمسك به، لأنه انتقل من أخذه الثمن المعلوم إلى تمكينه بقيمة مجهولة .. هذا هو المشهور.
وإن كان عندنا فيه خلاف.
ولو ضمن الغاصب أحد هذين الرجلين مثل ما خلط له، وقال الآخر: أبقى معك شريكا، ولا أزال عن عين مالي، فقد وقع لأشهب أن هذا لا يمكن من الشركة. وظاهر قوله أن ذلك لأجل حق الغاصب ألا يشاركه في المختلط وإنما له بعضه. ووقع في غير هذا الموضع ما يشير إلى أن ذلك ممنوع لحق الله تعالى.