تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك اختلف فيما فعله الغاصب إذا كان له طلب عوضه، هل يعطى قيمة صنعته، أو يعطى ما زادته صنعته في الثوب المصبوغ، وما في معنى ذلك مما يفعله في الشيء المغصوب، وكأن ما يقعله الغاصب في الشيء المغصوب، إن كان مما يتملك وأضافه إلى الشيء المغصوب، كحجر له يبنيه في أرض غصبها، فإن حقه لا يسقط من عين الحجر إلا بعوض إذا كان أسلم (1) إليه انتفع به. وإن كان أضاف إلى الشيء المغصوب ما يتملك، وهو عين مرئية مشاهدة، ولكنها لا تتميز من الشيء المغصوب، ولا يمكن تفرقتها منه كالصباغ، فإن ابن القاسم (2) أن صاحب الثوب لا يمكن من أخذه إلا بعد أن يعطي عوض الصباغ، قياسا على الحجر التي هي عين قائمة ولكنها تتميز. ورأى أشهب وعبد الملك أن صاحب الثوب يمكن منه من غير أن يدفع عوض الصبغ، قياسا على ما يحدثه الغاصب مما ليس بعين قائمة، ولا مما يتميز بالتفرقة بينه وبين الشيء المغصوب، كالنقش والتزويق فصار الصباغ كفرع بين هذين الأصلين.

والجواب عن السؤال الحادي عشر (3) أن يقال:

إذا غصب الرجل غرسا فغرسه في أرضه، وفعل ذلك غصبا أو تعديا، أو فعل ذلك على وجه شبهة إما بإدلال على صاحب الغرس، ومثله يشبه أن يدل عليه، أو يشري ممن يظن بأنه باعه من ذلك ما يملك، فإن المذهب متفق على أن هذا الغرس يرد لصاحبه، وإن ثبت في أرض الذي نقله إن كان بحدثان أخذه. ولا يفترق في هذا الحكم الغاصب والمدل والمشتري. وإن طلب صاحبه أخذه بعد زمان، وزيادة نماء، افترق حكم الغاصب من حكم المدل والمشتري، فيمكن صاحب الغرس من قلعه في أرض الغاصب الذي غصبه له، ولا يمكن من قلعه من أرض المدل والمشتري، لكن يلزمان بان يدفعا لصاحب الغرس

قيمته قائما إن لم يختر أخذ عينه. ولو كان الغصب في غصن أخذه من شجرة، فأنبته في أرضه، وثبت فيها وطال زمانه، فإن المذهب متفق على أنه لا يؤخذ من يد غارسه، كان غصبا أو مدلا أو مشتريا. وإن طلبه صاحبه بحدثان ذلك أخذه، فيفترق ها هنا حكم الغاصب والمشتري والمدل: فيقلع من أرض الغاصب، ويبقى في أرض المشتري والمدل، ويغرمان قيمته مقلوعا. وكأن هذا المعنى يلتفت فيه إلى ما سنذكره، إن شاء الله تعالى، فيمن غصب أرضا فزرعها. وذلك أن نماء هذه الشجرة لم يكن من مجرد ذاتها بنفسها، ولا من مجرد ذات الأرض، وإنما كان النماء بمجموعهما: الأرض والشجر. ومقدار ما كان من كل هذين من النماء لا يتميز، أو لا يوقف على حده، وإذا لم يوقف على حده وجب إضافة النماء إلى أولاهما. بالتأثير (1) بالغرس إذا أخذ في النماء وطال زمان ذلك، كانت إضافة النماء فيه إلى نفسه أولى من إضافتها إلى الأرض، فلهذا يقلع من أرض الغاصب. وطرد هذا التعليل يقتضي أن تقلع من أرض المدل والمشتري وإن طال الزمان، لكن قال عليه السلام "ليس لعرق ظالم حق" (2) والغاصب ظالم فلم يكن لتنميته أرضه حق، والمشتري والمدل غير ظالمين فكان لعرقهما حق، فلهذا أبقي إذا طال الزمان. وأما إذا قصر فكأن عين الغرس لم يتغير فيكون المستحق له أولى بعينه.

وأما ملخ عود من شجرة فإن إضافة التنمية إليه بتعد ولا تتصور إلا بعد واسطة، وهو أن يعرق ويطول مقامه في الأرض، فلذلك يأخذ في الارتجاع والنماء، فلهذا كان حكمه غير حكم الغرس.

وقد عارض بعض المتأخرين ما وقع في الرواية في هذه المسألة: من أخذ

غصنا ملخا من شجرة على جهة الإدلال بغير (1) قيمته مملوخا، وإن كان أهون (2) قلعه الشجرة كان عليه غرامة ما نقص من قوة الشجرة. ورأى أن المطالبة بالنقص تغني عن قيمة العود. وهذا لأن كل أمرين متباينين لا يتضمن أحدهما الآخر لا تكون (3) غرامة أحدهما وتقويمه عن تقويم الآخر وغرامته.

فإذا كانا متلازمين، لا ينفك أحدهما عن الآخر، فكان تقويم نقص الشجرة بالرهن (4) الذي حدث فيها يدخل فيه تقويم الملخ الذي أخذ منها.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٤٣