تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما ضبط مذهبنا وما وقع فيه:

فإن المغصوب إذا كان مكيلا أو موزونا مما فيه الربا، كالذهب والفضة والقمح، فغصب الغاصب ذلك فصنع من الفضة التي غصبها حليا أو دراهم، أو طحن القمح فرده دقيقا. أو كان المكيل والموزون مما لا ربا فيه، كالنحاس والحديد والقطن، فغصب حديدا أو نحاسا فصنع منه آنية، أو نسج من القطن ثوبا بعد أن غزله، فإن في ذلك أقوالا على الجملة:

أحدها: أن الواجب فيه مثل الذي غصبه الغاصب، وتكون صنعته كالفوت لعينه.

والقول الآخر: ذلك لا يكون فوتا للعين، ولا يمنع صاحب الشيء المغصوب من أن يأخذ عين ما غصب له، وإن غيره الغاصب بما ذكرنا.

والقول الثالث: أن ذلك يكون مما فيه الربا فإن هذه الصنعة كالفوت فيه.

وعلل ذلك ابن القاسم وأشهب أن الحكم برده إلى صاحبه من غير أن يغرم عوض الصنعة، كان ذلك ظلما للغاصب، وإن أغرم قيمة الصنعة كان ذلك تفاضل أبي ن ما فيه الربا، فيكون صاحب الشيء المغصوب كأنه دفع فضة ومعها أجرة الغاصب وأخذ عنها دراهم. قال أشهب: وليس ذلك مثل القمح يغصب، فيصيره الغاصب سويقا ملتوتا، هذا مما يجوز فيه التفاضل.

فأما ابن القاسم فإن طرد أصله في ذلك، وكان مذهبه يضاهي مذهب أبي حنيفة الذي يرى أن التغيرات على الشروط التي ذكرناها عنه، تصير الشيء المغصوب كالفائت المعدوم.

وأما أشهب فإنه ذكر أن من غصب قمحا فطحنه دقيقا، فإن لصاحب القمح أن يأخذه من غير أن يلزم غرامة أجرة الطحن. قال في قمح غصبه الغاصب فلته سويقا أن الحكم فيه غرامة الغاصب القمح.

وهذا كأنه إن اعتبرنا مذهبه من ناحية ما قال في السويق صار كأنه يلاحظ مذهب أبي حنيفة، وإن اعتبرنا ما قاله في الدقيق يلاحظ مذهب الشافعي. وقد قدمنا أن أبا حنيفة يرى أن تغير العين لا يكون فوتا فيها إلا بأن يفعل الغاصب فعلا ينقل به الاسم ويبدله ويبدل أيضا لمنفعة المقصودة، والمعنى المطلوب الذي خلق الشيء له، فيقول بأن الدقيق لا يسمى قمحا وكذلك القمح لا يسمى دقيقا إلا مجازا واستعارة له اسم المال كما قال تعالى عن صاحب يوسف: ﴿إني أراني أعصر خمرا﴾ (1) فسمى العنب خمرا لأنه يؤول إلى الخمر. وكذلك المنفعة المقصودة والمعنى الذي خلق الشيء له، والصورة والشكل، قد يتبدل كله، والقمح صورته غير صورة الدقيق، واسمه غير اسمه، والمعنى الذي خلق له، وهو احتكاره قوتا، وزراعته في الأرض، لا يوجد ذلك في الدقيق. فلعل أشهب رأى أن هذه الأوصاف تحصل في السويق، ولا تحصل في الدقيق،

لقرب ما بين الدقيق والقمح من المنفعة، وكأنه هو الطريق إلى تصيير القمح قوتا، وهذا بخلاف السويق.

وما ذكرناه عن أبي حنيفة من أنه يراعي تبدل الأسماء، قد قاله أصحابنا.

وذلك أن أشهب فرق بين من غصب ثوبا فصبغه، أو قطعه وخاطه، فقال: يرد ذلك على صاحبه إن شاء، بخلاف أن يصير القمح سويقا لأن الثوب، وإن صبغ وقطع، فالاسم عليه قائم ويسمى ثوبا، أبيض كان أو مصبوغا، بخلاف السويق فإنه لا يسمى قمحا. وهذا (1) قال سحنون أيضا: كلما غير حتى انتقل اسمه فإن ذلك فوت. فأنت ترى هذين من أئمة أصحابنا اعتبرا تغير الاسم كلما (2) اعتبره أبو حنيفة.

وقد وقع لهم أيضا في التفرقة بين من غصب خشبة فصنعها بابا، وبين من غصب خشبة فبنى عليها، تعليل آخر. وذلك أنه قال: إنما حكمنا بأن يبقى التاتوب (3) للغاصب ويغرم قيمة الخشبة؛ لأنه صنع شيئا لا يقدر على رده إلى هيئته. وقد وقع لابن الماجشون في كتاب ابن حبيب أن من غصب ثوبا فصبغه أو فضة فصاغها، أو قمحا فطحنه، فإن يرد إلى صاحبه، ولا حجة للغاصب بأن يقول: يتلف على صنعتي؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس لعرق ظالم ... " (4) وقد وقع أيضا لعبد الملك بن الماجشون في المبسوط أن الغاصب إذا صنع فيما غصب شيئا يسيرا، فإن صاحب الشيء يأخذه، ولا يغرم قيمة الصنعة. وإن صنع فيه شيئا كثيرأوافى ثمنه، فإنه لا يأخذه حتى يدفع قيمة الصنعة، أو يضمن الغاصب ما غصبه، أو يكونا شريكين. وفي الشركة قولان: أثبتها ها هنا عبد الملك، ونفاها ابن القاسم.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٤٢