تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد اضطرب المتأخرون فيمن اكترى دابة إلى مسافة معلومة فتعدى المسافة بأميال يسيرة لا يجب عليه لتعديه قيمة الدابة، فإنه إنما يغرم كراء الأميال التي تعدى. ولو أحدث في الأميال، التي تعدى فيها، بالدابة عيبا تلزمه غرامة ما نقص، فإن بعض الأشياخ رأى أن هذا العيب إن كان بسبب التسيير لم يطلب بغرامتين: غرامة الكراء وغرامة النقص؛ لأن أحدهما قد تضمن الآخر.

فإن كان العيب من غير جهة التيسير (5) طلب بالأمرين: الكراء وقيمة العيب الذي حدث. وهذا نحو ما نبهناك عليه من مراعاة تضمن شيء لشيء. وإن كان بعض الأشياخ رأى أن المطلوب كراء التعدي، ولكن إذا استقر وعلم مبلغه قوم العيب الحادث، وحط من الكراء بمقدار ما حط العيب من قيمة الدابة كلها. فإن كان قوم الكراء بخمسة دنانير، وحط العيب الخمس من قيمة جميع الداب، (6) من الكراء خمسه، لأن الدابة لا يضمن من سيرها متعديا عليها جميع قيمتها (7) ثم التعدي عليها لم يلزمه الكراء. فكذلك إذا ضمن قيمة جزء منها لم يلزمه ما

ينوب ذلك من الكراء قياسا للجزء على الكل.

وفي الموازية فيمن غصب دجاجة فحضن تحتها بيض غيرها، فإنه يطالبه صاحب الدجاجة بأجرة الحضانة. وربما نقصت الحضانة من قيمتها.

وعارض هذا بعض المتأخرين، وأشار إلى أن الطلب بقيمة النقص الذي حدث لأجل الحضانة يعني (1) عن الطلب بأجرة الحضانة، لأن الأجرة داخلة في قيمة عين النقص الذي حدث لأجل الحضانة.

وبعض أشياخي يشير إلى أن هذا أيضا إشارة إلى (2) الغاصب لا يضمن جميع القيمة بالعيب اليسير إذا حدث في الشيء المغصوب. وقد قدمنا الكلام على هذا.

والجواب عن السؤال الثاني عشر (3) أن يقال:

أما خلط الغاصب ما غصب بشيء من مال نفسه، فإنه لا يخلو من أن يكون خلط بنوع آخر، أو خلط نوعا بمثله.

ولا يخلو أيضا هذان القسمان من أن يكون المختلط من مال الغاصب بالشيء الذي غصبه مما يمكن تمييز بعضها من بعض، أو لا يمكن.

ثم أيضا يقسم ذلك كله على قسمين من جهة أخرى، وهو أن يكون المختلطان لا تفسد أحدهما الآخر، أو يكون يفسد كل واحد منهما صاحبه، أو يختص الإفساد بأحدهما.

فإن خلط الشيء بخلافه، وهو مما يتميز، ولا يفسد أحدهما الآخر، فإن الغاصب يكلف تمييز بعضها من بعض، ليمكنه رد ما غصبه بعينه على حاله.

وذلك كخلط جوز بقمح، أو رمان يجوز، أو تفاح بالترنج، فإن الغاصب يكلف تمييز ما غصبه مما خلطه به، ليتمكن من رده إلى صاحبه. وإن لم يمكن التمييز إلا بخسارة إجارة، أو غير ذلك، فغرامة ذلك على الغاصب، لأنه ظالم، وفعل في مال غيره، تعديا منه، ما أحوجه إلى إجارة يغرمها في تمييزه. ولكن يجب أن تعتبر هذه المشقة في التمييز. فظاهر مذهبنا أن المشقة إذا عظمت، والخسارة إذا كثرت، حتى كاد ذلك بري (1) على قيمة المخلوط، فإن ذلك يصير المخلوط في معنى الهالك التالف، ولهذا قال أصحابنا: إذا خلط الغاصب قمحا بشعير ضمن لصاحب القمح مثل قمحه، ولصاحب الشعير مثل شعيره. ولم يقولوا: يكلف الغاصب التمييز.

وبعض أصحاب الشافعي ذكر هذه المسألة، ومثل بالقمح والشعير، وجعل الحكم فيه التمييز.

وهذا عندي قد لا يختلف فيه، إذا عظمت المشقة حتى كاد التمييز يستحيل، أن ذلك في معنى الهالك.

وإن قلا (2) الطعام حتى يمكن تمييزه، ولكن بعد مشقة، فإن ذلك مما لا يمتنع أن يكون الواجب تمييزه.

وأما إذا كان أحدهما يفسد الآخر، فوقع الإفساد فلا شك في التضمين، ووجوب الغرامة على الغاصب.

وإن لم يقع الإفساد، ولكنه تعدى في غلط (3) ما يسري إلى الإفساد، فضاع قبل أن يفسد، وليس بغاصب، فيضمن بمجرد الغصب. فإن أشهب ذهب إلى تضمين هذا المتعدي في الخلط بمجرد الضياع وإن لم ينته الأمر إلى الفساد.

وأنكر الشيخ أبو محمد بن أبي زيد هذا وقال: كيف يضمن، ومجرد الخلط لا يوجب ضمانا والفساد لم يقع؟

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٤٤