وأما لو أراد تضمين الغاصب مكيلة القمح الذي غصبه لم يمنع من ذلك
عند ابن القاسم وأشهب.
وسنتكلم على تفصيل ما وقع من خلاف في بعض تغيرات (1) الغاصب عندنا، بعد أن نذكر سبب الخلاف بين فقهاء الأمصار على الجملة.
فأما مذهب الشافعي ومن وافقه من أصحابنا في بعض فروع هذا الأصل، فإنهم يرون أن التمليك فعل شرعي والغصب فعل ليس بمشروع، فلا يتوصل بأمر غير مشروع منهي عنه إلى أمر مشروع وهو نعمة من الله سبحانه وإحسان، والغصب إثم وخسران. وقد اعتمد ابن القصار، من أصحابنا، وغيره من أصحاب الشافعي على التعليل بظواهر أحاديث، منها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" (2) وإذا أبقينا دقيق القمح المغصوب في يد غاصبه لم نجعل عليه رد ما أخذت يده.
وكذلك قوله عليه السلام: "لا يحل مال امرى مسلم إلا عن طيب نفس منه" (3) فإذا قضينا لصاحب القمح بمثله بدلا من الدقيقال في صار عن قمحه -ولم يكن فيه أكثر من تفريق أجزاء القمح- وأجزاء القمح لم يذهب عينها، وأعطيناه بدلها صونا- استحللنا ماله بغير طيب نفس منه.
وأصحاب أبي حنيفة يقابلون هذه الظواهر بما رواه عاصم بن كليب أن النبي عليه السلام: "كان في ضيافة رجل من الأنصار، فقدم إليه شاة مصلية، يعني مشوية، فأخذ منها لقمة يلوكها، فلم يسغها فقال: "إن هذه الشاة تخبرني أنها ذبحت بغير حق. فقالوا: يا رسول الله، إنها لجارنا ذبحناها لنرضيه بثمنها، فقال - صلى الله عليه وسلم -: أطعموها الأسارى" (4) فيقول أبو حنيفة وأصحابه: لولا أن تغير الشيء
المغصوب يصيره ملكا للغاصب ويزيل ملك صاحبه ما أمر - صلى الله عليه وسلم - بصدقتها، بل كان يأمر بردها إلى صاحبها الذي ذبحت بغير أمره، والصدقة بمال الغير لا تجوز إلا بوجه يستحق به ذلك عليه.
وهذا الاستدلال كأنه في نفس هذا الأصل المختلف فيه. والاستدلال بقوله "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" وبقوله: "لا يحل مال امرى مسلم إلا عن طيب نفس منه" استدلال بعمومات ليس المقصود منها بأن حكم هذا الأصل الذي نحن فيه. فكان التعلق بهذا الخاص أولا (1) من التعلق بالعام.
وقد اختلفت معاذير أصحابنا وأصحاب الشافعي عن هذا الحديث. فقال بعضهم: إنه مرسل والعمل بالمراسيل فيه اختلاف بين الأصوليين. وهذا العذر إنما يقوله من لم يقل بالعمل بالمراسيل.
وأجاب آخرون بأن الشوى مما لا يبقى بل يتغير ويفسد إذا مر زمن تغيره، فلهذا لم يأمر برده على صاحبه إذ لعله كان غائبا.
وهذا أيضا تأويل بعيد لأن الحكم في مثله أن يباع الطعام الذي يخشى فساده وصاحبه غائب عنه، ويوقف له الثمن فلا يتحقق هذا الحكم على ما استقر في الشريعة إلا أن يكون كسب صاحب هذا (2) الشاة خبيثا، والكسب الخبيث يتصدق به وإن كره صاحبه.
وهذه تأويلات، وإن بعدت، فإنها من الممكنات ولكن ليس في سياق الأكبر ما يدل عليها. وجملة الأمران من غصب شيئا فأتلف عينه كقصب غصبه ثم أحرقه، أو ثوب غصبه ثم أحرقه، أو عبد غصبه فقتله، فإنه لا يختلف ها هنا أن الواجب على الغاصب بدل ما غصب، المثل أو القيمة .. وإن كانت العين لم تذهب، ولا تغيرت في سوق ولا بدن، لم يختلف في أنه لا يجب عليه البدل.
فإن تغيرت فهاهنا يحسن الخلاف؛ لأن من حق صاحب الشيء المغصوب ألا يزال ملكه من يديه، وأفعال الغاصب كأنها من أملاكه فلا تزال أيضا عن يده، فأي الأمرين يغلب؟
رأى أبو حنيفة أن التغيير الذي يذهب التسمية والمنفعة المقصودة، يحل محل ذهاب العين، فإنما يستحق على الغاصب البدل.
ورأى الشافعي أن ذهاب العين بالعلم يستحيل معه التملك، إذ المعدوم لا يتملك، ولا يتصور تملكه للغاصب ولا للمغصوب منه، فلهذا أوجب البدل وانتقال الاسم والمنافع مع بقاء العين ومنافع يتعلق بها الغرض، ويقع التشاح فيها، يوجب سقوط ملك صاحب الشيء المغصوب، ونقل ملكه إلى ملك الغاصب، مع كون فعل الغاصب كالفرع والشيء المغصوب كالأصل، وهو الجوهر، وفعل الغاصب كالعرض، والتغليب يكون للأصل على الفرع، لا للفرع على الأصل، وللجواهر على الأعراض لا للأعراض على الجواهر.