تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا الذبح ها هنا لغير مأكلة، فلم يجب سقوط حرمة الحيوان به. ولو كان الحيوان مما يؤمر بقتله، كالخنزير والكلب، فإنه ها هنا لا يختلف في أن هذا الخيط ينزع منه، وإن هلك الخنزير والكلب؛ لأن هلاكهما مشروع لنا.

واعلم أن قاعدة هذا الباب ونكتته، بعد ما قدمنا لك من اعتبار الحرم وتفاوتها، الموازنة بين الضرر اللاحق يصاحب الخيط ومنعه عين ملكه بالقيمة، وبين ما يلحق الجريح من الضرر بنزعه. فما اتضح من الضرر خفته، واتضح من الجانب الآخر ثقله وشدة (3) عدل إلى الأخف وانصرف عن الأثقل. هذا أصل الفقه في هذه المسائل.

وبعض المتأخرين من أئمة أهل النظر لم يجر في هذا حرمة الحيوان الإنساني والبهيمي مجرى واحدا، كما حكيناه في هذه التفاصيل عن بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي، ورأى أن بهيمة الرجل إذا أشرفت على العطب فإن من عنده علفها الذي يصون حياتها لا يجبر على بذله لها؛ بخلاف حرمة الإنسان فإنه إذا أشرف على الهلاك من الجوع وجب على من عنده طعام أن

يعطيه ما يصون به حياته. وطرد هذا الحكم في نزع الخيط، ففرق بين نزعه من البهيمة (1).

وهذا الاضطراب كله إنما يعتمد فيه على الموازنة بين الضررين، ومراعاة ما بين الحرمتين.

ومما يجري على هذا الأسلوب لو كان كبشا أو ثورا أدخل رأسه في قدر طباخ، ثم لم يمكن إخراجه رأسه منها، فإنه إن كان لصاحبه سبب في تمكينه إدخال رأسه في القدر، مثل أن يكون هو سائقه أو قائده، فإنه إذا كسرت قدر الطباخ، فتخلص الثور، ضمن صاحب الثور قيمة القدر؛ لأنه بإفسادها وإن ماله، وهو السبب في تعريض ماله إلى التلف. ولو كان الطباخ هو السبب، بأن وضعها وضعا لا تسلم معه مما جرى فيها من تشبث الثور، وصاحب الثور لاسبب له، فإنه لا يضمن صاحب الثور قيمة القدر. وكذلك إذا كانا غير مفرطين جميعا لم يضمن صاحب الثور قيمة القدر لأن جرح العجماء جبار، وكذلك لو دخل فصيل ناقة دارا وأقام فيها حتى عظم جرمه، فلم يقدر أن يخرج من الباب، فإنا إن هدمنا الباب ليتمكن من إخراجه كان على صاحب الفصيل غرامة ما أفسد من الباب؛ لأنا صنا ماله بإفساد مال غيره.

وهذه المسائل تجري على ما نبهناك عليه من اعتبار الضرر والموازنة بين الضررين. وألحق بذلك سقوط دينار من دواة إنسان، فلم (2) إخراجه إلا بكسرها.

وفروع هذا الباب لا تتسع، ومدار جميعها على ما أصلناه لك. وقد كان شيخنا رحمه الله يحكي إذا ذكر هذه المسائل أن جملين اجتمعا في مضيق فلم يمكن إخراج الداخل منهما ولا رد الخارج منهما، فمر بهما بعض القضاة،

فقال: ينحر أحدهما ويشتركان في الباقي. وقال هذه قياس منه على الحكم فيما يطرح من السفينة. والذي قدمناه لك يعرف الحكم منه في هذه المسألة وغيرها.

والجواب عن السؤال العاشر (1) أن يقال:

إذا غصب الغاصب شيئا ففعل به فعلا غير به ذات الشيء المغصوب، فإن في ذلك خلافا بين فقهاء الأمصار.

فمذهب الشافعي أن ذلك ليس بفوت يمنع صاحب الشيء من أخذه من يد الغاصب، حتى لو غصبه بيضة فحضنها حتى انفقأت عن فرخ، أو قمحا فبذره في أرض حتى أسبل وصار قمحا محصودا، فإنه يأخذ صاحب القمح قمحه وما تنامى منه.

ومذهب أبي حنيفة أن التغير فوت يمنع صاحب الشيء من أخذه من الغاصب، بشرط أن يكون الغاصب غيره تغييرا تنتقل تسميته، وتذهب به المنفعة المقصودة به.

وأما مذهبنا نحن، فعندنا ما يدل على الطريقتين جميعا، طريقة الشافعي وطريقة أبي حنيفة. فقد ذكر عن مالك، رضي الله ه تعالى عنه، أنه اختلف قوله في الغاصب إذا غصب قمحا فطحنه، وكذلك روي عن ابن القاسم في المجموعة أن الواجب في ذلك مثل القمح المغصوب. وذكر عن أشهب في المجموعة أنه يرى أن لصاحب القمح أخذ الدقيق من غير أن يؤدي أجرة الطحن.

وظاهر هذا الخلاف فإنه (2) إنما وقع في تمكين صاحب القمح من أخذ عين الدقيق.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٤٠