تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا أمد ينتظر لصيانة بناء الغاصب وجب قلع الحجر في الحال.

وهذا فرق يتصور، ولكن إن راعيت الضرر في الانتظار إلى وصول السفينة لم يسلم هذا الفرق. ولكن يجب أن. تعلم أن كل موضع قلنا فيه: إن قلع اللوح لا يجب، فإن لصاحب (1) الطلب بقيمته لأجل ضرر الانتظار، ومع هذا له الخيار في التزام هذا الضرر وترك الطلب بالقيمة حتى يأتي الأمد الذي يمكن نزع هذا اللوح فيه، كما لو غصب رجل عبدا فأبق في يده، فإن صاحبه بالخيار بين أن يغرمه القيمة؛ لأن (2) فيما يلحقه من الضرر في انتظار عودة الآبق، وله أن يتحمل مشقة هذا الضرر، وينتظر الآبق حتى يعود إليه. واعم أنا قدمنا الكلام في مسألة من غصب خيطا فخاط به جرحا، ثم أتى صاحبه فطلب نزع الخيط. وهي مسألة كثر الاضطراب فيها، ونحن نذكر لك المقدمة التي وعدناك بالتنبيه عليها في صدر هذه المسألة.

وذلك أن الأموال تختلف مقادير جرمها في القوة والضعف. فالأموال التي هي جمادات، كالدنانير والعروض، لا حرمة لها في نفسها، وإنما تكتسب حرمة من جهة حق مالكها. وأما الحيوانات فإن لها حرمة من جهة مالكها كالجمادات، ولها حرمة في نفسها وهي جرمة الأرواح، فقد صار لجنس من الأموال حرمة واحدة وهو الجمادات، وللحيوانات حرمتان: إحداهما من جهة مالكها والثانية من جهة نفسها. وهذه الحرمة الثانية هي حرمة راجعة إلى نفس المحترم تختلف أيضا بالقوة والضعف، فليست حرمة نفوس بني آدم كحرمة البهائم، ألا ترى أن من جبره السلطان على قتل رجل مسلم، لا ذنب له يستباح به دمه، وتوعده بأنه إن لم يقتله قتله السلطان، هو نفسه، فإنه لا تحل له صيانة دمه بإتلاف دم غيره. ولو فرضنا المسألة في كون السلطان أمره بنحو ناقة رجل،

أو قتل فرسه، لأبحنا له قتل الفرس ونحر الناقة بل نوجب عليه ذلك إذا كان لا يخلص نفسه من الهلاك إلا بإتلاف هذا المال، وتبقى المحاكمة من الهلاك إلا بإتلاف هذا المال، وتبقى المحاكمة بينه وبين صاحب المال. ومما يوضح أيضا ما ذكرناه أن للحيوان مزية على الجمادات أن من خربت داره لا يجره (1) السلطان على إصلاحها ومن له دابة منعها العلف حتى أشرفت على الهلاك فإن القاضي يجبره على علفها خوف امن تلفها.

واعلم أيضا أن الأنفس، وإن كانت لها حرمتان، فربما سقطت بإسقاط صاحبها حرمتها، كما يقتل من قتل، ويرجم من زنى، وهو محصن.

فإذا تقررت هذه القاعدة عدنا بعدها إلى النظر في مسألة من غصب خيطا فخاط به جرحا، أو خاط به ثوبا، فجاء صاحبه فطلب نزعه ورده إليه، فأما إن كان خيط به ثوب فإنه ينزع من الثوب، إذا كان نزعه لا يتلف المنفعة به لمن يرد عليه. وأما إن كان لا يمكن نزعه إلا بتقطيعه حتى لا ينتفع به، فإن له قيمته؛ لأنه طلب ما لا منفعة له فيه. وأما إن كان خطب (2) به جرح إنسان، وإن نزع أيضا لم ينتفع به، فلا يمكن من نزعه، وإن كان ينتفع به لكن نزعه يؤدي إلى هلاك نفس الرجل الذي خاط بهذا الخيط أو إتلاف عضو من أعضائه، فلا يختلف في أنه لا يمكن من نزعه. لأنه لو أراد أخذه غصبا لما احتاج إلى الخياطة به ولم يجد غيره، وإن لم يخط به جرحه هلكت نفسه، فإنه يسوغ له أخذه.

وكذلك إذا أدى نزعه إلى زيادة في الغلة (3)، وحدوث المرض المخوف، فإنه قد قيل: إنه لا يمكن من نزعه. وأما إن كان نزعه لا يتخوف منه تلف النفس، أو

زيادة في المرض، وإنما يتخوف منه أيضا تأثير (1) البرء، فإن هذا مما اختلف فيه أصحاب الشافعي.

وهذا في الحيوان الذي لا يحل أكله، كالإنسان والدواب: البغل والحمار.

وأما إن كان مما يحل ذبحه وأكله، فإنهم اختلفوا أيضا هل يجبر على ذبحه لينزع الخيط المغصوب منه، ويرد على صاحبه؛ لأن هذا الجنس لا حرمة لروحه تقتضي منع ذبحه وأكله، فلهذا مكن من ذبحه. ومنهم من قال: لا يمكن من نزعه لأنه عليه السلام نهى عن ذبح الحيوان لغير مأكلة (2).

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٣٩