وقال ابن القصار: هذا هو قياس أصل أبي حنيفة؛ لأنه يرى أن من غصب أشجارا صغارا فغرسها في أرض نفسه وثبتت فإنه ليس له قلعها، بل يأخذ قيمتها للضرر لصاحب الأرض. قال: وعندنا وعند الشافعي أن لصاحبها أخذها.
وقال: يخير إذا كان صاحبها إذا أخذها ثبتت. وسيرد كلامنا على هذه الغروس التي ذكرناها.
وأما الشافعي فمذهبه كمذهب مالك في هدم بناء الغاصب إذا كان لا سبيل إلى انتزاع الحجر المغصوب إلا بهدمه.
وإذا قلنا بهدم بناء الغاصب فهل ذلك هو الحكم المتعين، أو يضاف إلى ذلك أن من حق صاحب الحجر ألا يهدم بناء الغاصب، ويطلبه بقيمة حجره؟ هذا أيضا مما وقع فيه اضطراب:
قال بعض الأشياخ: ظاهر المدونة أن هدم البناء لا يتعين، ولصاحب الحجر المغصوبة أن يطالب الغاصب بقيمتها ولا يهدم بناءه، وتعلق في هذا بأنه لما ذكر في المدونة بناء غاصب الحجر عليه، أن لصاحبه هدم البناء، وليس ذلك على من غصب ثوبا، وجعله طهارة (1) لجبة، أن له أن ينتزع الثوب المغصوب، ويفتقه وإن شاء تركه، وأخذ قيمته.
وهكذا حكى بعض أصحاب مسائل الخلاف عن المتأخرين من أصحاب أبي حنيفة أنهم يرون أن صاحب الحجر المغصوب إذا رضي بأخذ القيمة جبر الغاصب عليهالأولا يخلصه من ذلك أن يقول: أنا أرضى بهدم بنائي لتأخذ عين ما غصبتك إياه، اعتمادا منهم على أن رضاه بذلك من تضييع المال وإفساده، والإنسان محرم عليه إضاعة ماله. وحكي عن المتقدمين من أصحاب أبي حنيفة أنهم يرون خلاف ذلك وأن الغاصب إذا رضي بهدم بنائه لم يمكن صاحب الحجر المغصوب من تغريمه قيمته.
وأعلا (2) بعض أصحاب الشافعية حتى نسب المانعين للغاصب من رضاه بهدم م ابن اه خلافا لأصول الشريعة، وهم على رد الإجماع.
وليس الأمر كما ظن من الإجماع على هذا، وقد كان شيخي (3) أبو محمد عبد الحميد وأبو الحسن المعروف باللخمي رحمهما الله يميلون إلى منع الغاصب من هدم بنائه لأنه نوع من إضاعة المال لا تجوز.
وأما ابن القصار، من أصحابنا، فإنه ذهب إلى خلاف ما ذهب إليه
شيخاي، رحمهما الله، ورأى أن الغاصب إذا رضي بهدم بنائه لم تلزمه غرامة القيمة بأن غرامة القيمة للحجر موقوفة عن رضي صاحب الحجر والغاصب الذي بني عليها. وسبب الاختلاف في تمكين صاحب الحجر من هدم م ابن اه الغاصب عليها المنازعة في ظواهر وقعت في الكتاب وفي السنة.
فأما الكتاب، فقال أصحاب أبي حنيفة: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) (1)
وظاهر هذا يقتضي أن لا يعتدوا على غاصب هذا الحجر بردها بعينها وإفساد بنائه؛ لأن ذلك ليس بمثل له، فدل على أن الواجب قيمته التي هي عوض مثله.
وأجيبوا عن ذلك بأن هذه الآية نزلت في الجناية على النفوس والأبدان، فحكمها مقصور عليهما. وأيضا فإن غاصب الحجر لو أخذه من بناء هدمه على صاحبه ورده إلى ملكه، وبنى عليه مثل ما هدمه على مالكه، لصح ها هنا أن يقضى بالأمث الذي هذا: لأنه يهدم عليه مثل ما هدمه هو على صاحب الحجر، وهو يقول في هذا: لا يهدم على الغاصب وإن هدم بناء غيره بسبب هذا الحجر، فلم يقض بالمثل.
واحتج أصحابه بقوله عليه السلام "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" (2) ومن الإضرار فساد بناء الغاصب وإتلاف ماله.
وهذا أجيبوا عنه بأن منع صاحب الحجر من أخذ حجره إضرار به أيضالأولا سبيل إلى الإضرار.
فيقولون هم: تجب المساواة بين الضررين، فالإضرار بهدم بناء الغاصب يقع ولا عوض للغاصب عنه، والحجر إذا منع منها صاحبها أخذ قيمتها، فشتان بين ضررين: أحدهما يؤخذ عنه عوض والآخر (عنه عوض عنه) (3).
وأصحابنا وأصحاب الشافعي لم يسلموا لهم هذا الترجيح الذي وقع (بين الموازية) (1) بين الضررين، بل قالوا: لو (2) جبر رجل على أن يبيع ماله ويأخذ عوضه أشد الضرر، وقد يكون له غرض في عين ملكه (محله) (3) أو لكونه لا يمكنه أن يشتري بالقيمة التي يعطاها عوضا عنه مثل حجره أو خشبته التي غصبت له. ويرجح أصحابنا هذا بأن الظالم أحق أن يحمل عليه.