تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا وإن كان قد يستحسن تصوره فإن شيخنا الذي حكاه لنا كان لا يراه فرقا واضحا، ويرى أن السير بزيادة العمل تعد محض، لم يؤذن فيه إلا بشرط، وإذا فقد الشرط صار السير تعديا محضا، فأشبه تعدي المسافة، وتعدي الزمن.

ولو كان العطب وقع بعد أن ردت الدابة إلى المكان الذي دخل في عقد الكراء، فإنه إن كان التعدي في المسافة كثيرا، تلزم فيه القيمة، فلا تسقط القيمة ردها (2) إلى موضع الاذن، لتقرر القيمة في الذمة قبل وجود الرد إلى الموضع المأذون فيه. وإن كان تعدي المسافة يسيرا بحيث لا تلزم فيه القيمة، ففيه

اختلاف في المذهب.

وإلزامنا القيمة فيما ذكرناه من هذه الأقسام إنما ذلك إذا اختار رب الدابة التضمين للرقبة. وأما إن اختار طلب قيمة المنفعة التي وقع الغصب عليها، فإن له ذلك: يأخذ الكراء الأول الذي سمياه، ويكون له فيما زاد عليه مما وقع التعدي فيه في المسافة كراء المثل عند ابن القاسم، وعند غيره إنما يكون له طلب كراء المثل إذا كان رب الدابة غائبا أيام حبسها المكتري، فيكون له الأكثر من قيمة كراء أيام الحبس، إن كانت مستخدمة فيها، وبنسبة ما وقع به عقد الكراء الذي لا تعدي فيه، لأجل أنه قد يقع في الكراء الأول مغابنة رضي بها فلا

تلزمه المغابنة فيما لم يرض به، وهو إمساكها أياما لم يؤذن له أن يمسكها فيها.

وأما إذا كانا حاضرين جميعا فذلك رضى منهما بالتزام الكراء على نسبة ما كان. وسبنسط الكلام على هذا في كتاب الأكرية إن شاء الله تعالى، ونذكر مذهب أبي حنيفة الذي لا يوجب في أصل المنافع أجرة.

والجواب عن السؤال التاسع (1) أن يقال:

إذا غصب إنسان حجرا أو خشبة فبنى على ما غصب من ذلك بناء، فهل ذلك كفوت العين، تلزم فيه الغاصب القيمة، أوليس كفوت العين، لمالك الحجر أو الخشبة انتزاعها من بناء الغاصب؟ هذا مما اختلف الناس فيه: فالمشهور من مذهبنا أن لمالك الحجر أو الخشبة انتزاعها من بناء الغاصب، وإن أدى نزعها إلى فساد بناء الغاصب وانهدامه. هكذا روي عن مالك رضي الله عنه. وقال ابن القاسم في الموازية: يهدم بناء الغاصب ولو كان بناؤه قصورا.

واختلف النقل عن أشهب: ففي النوادر أن مالكا، رضي الله عنه، مكن صاحب الحجر أو الخشبة من هدم بناء الغاصب، وقاله أشهب. وقال: إن هذا بخلاف من غصب خشبة فصنعها بابا، فإن هذا لا يمكن أن يعاد لهيئته.

وحكي عنه في غير النوادر أنه يرى وجوب القيمة على الباني، ولا يهدم بناؤه. وقد نقل عنه هذا ابن حارث في كتابه، ولكن زاد في نقله أن ابن القاسم وأشهب اتفقا على أن البناء المعتمد على الحجر المغصوب يقلع. وإنما اختلفا فيما انتشر عن هذا البناء، وخرج عن اعتماده على الحجر المغصوب، هل يهدم أم لا؟ فقال: إن ابن القاسم قال قولا مجملا أنه يهدم .. وقال أشهب: إذا كان لا سبيل إلى انتزاع الحجر المغصوب إلا بهدم جميع البناء فإنه تجب فيه القيمة لصاحب الحجر.

وهذا الذي نقله ابن حارث لا أعرفه في المذهب، ولم ينقله فيما علمت غيره من المصنفين، وإنما المشهور في سائر الدواوين ذكر الخلاف عندنا في هدم بناء الغاصب، قولا مطلقا عاما فيما بني، معتمدا على الحجر المغصوب أو لم يكن معتمدا عليه، لكن (1) لا سبيل إلى نزعه إلا بهدمه، فاختلف النقل في ذلك عن أشهب، كما ذكرناه، وما أدري أين وقف ابن حارث على هذا التفصيل و (لكنه لا أنكر) (2) هذا التفصيل أن يكون مذهبا؛ لأن الكرخي نقل عن أبي حنيفة أنه يرى عدم (3) ما اعتمد على الحجر المغصوب. وأما ما كان مبنيا بجوانبه أو متصلا به فلا يرى أبو حنيفة هدمه، بل يوجب فيه القيمة.

وهذا التفصيل الذي حكاه الكرخي عن أبي حنيفة هو نفس التفصيل الذي حكاه ابن حارث عن أصحاب مالك.

والمشهور من مذهب أبي حنيفة، وهو المذكور في مسائل الخلاف بين أصحاب الشافعي وبين أصحاب أبي حنيفة، أن محمد بن الحسن ذكر عن أبي حنيفة أن بناء الغاصب لا يهدم إذا لحقه الضرر بهدمه، قولا مطلقا، وتجب القيمة على غاصب الحجر.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٣٥