وهذا عندي هي النكتة التي تدور عليها هذه المسألة، وإليه كان يذهب شيخي أبو محمد عبد الحميد، رحمه الله، ولا يقول قولا مطلقا بما قاله مالك والشافعي من هدم بناء الغاصب، ولا بما قاله أبو حنيفة من (4) هدم بنائه، بل يرى أن كل نازلة حكمها، فما اتضح فيه الضرر بهدم البناء أشد من تغريم الغاصب قيمة الحجر لم يهدم عليه البناء، وما كان تغريم القيمة فيه أشد على صاحبه في الإضرار به كان تغريم القيمة أولى من هدم بناء الغاصب، وما تساوى فيه الضرر، أو أشكل أمره، رجح جانب صاحب الحجر في تمكينه من أخذ عينهلالكون الظالم أحق أن يحمل عليه. وهكذا كان يرى في كل شيء أخذه الغاصب فأضاف إليه شيئا آخر فإنه يغلب فيه أحد الضررين على نحو ما ذكرناه.
ومما يرجح به جانب صاحب الحجر قوله تعالى: ﴿إنما السبيل على الذين يظلمون الناس﴾ (5) وغاصب هذا الحجر ظالم.
وعموم الأحاديث تقتضي تمكين صاحب هذا الحجر من قلعه وإن فسد بناء الغاصب. من ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "على اليد ما أخذت حتى تؤدي" (6) وفي
بعض الروايات "حتى تؤديه" ومنها قوله: "لا يحل مال امرى مسلم إلا عن طيب نفس منه" (1)، وقوله: وقوله "لا يحل لأحد أن يأخذ مال أخيه جادا أو لاعبا، ومن أخذ عصا أخيه فليردها عليه" (2).
وهذه العمومات تقتضي وجوب رد هذا الحجر.
وأما الطرق المعنوية التي يعتمد عليها أصحابنا وأصحاب الشافعي، فإنهم يقولون: إذا رضي الغاصب بهدم بنائه ورد الحجر الذي غصب مكن من ذلك، ولم يطلب بما سواه. وكل من قدر أن يرد العين المغصوبة فإنه إذا امتنع من ردها جبر عليها، كمن غصب ثوبا فإن عليه رده، فإن لم يفعل أجبر على
رده.
وقد دافع أصحاب أبي حنيفة هذا الاستدلال يأن من غصب خشبة فبنى عليها، واشتراها من مالكها، ثم اطلع على عيب فيها، فإن له ردها، ومع هذا (لا يجبر على الرد إذا امتنع. فقد أوجدناكم من يتمكن له الرد (3) إذا امتنع منه) (4) لا يجبر عليه.
وهذا لا تصح مناقضتهم به؛ لأنا إنما ذكرنا ما ذكرناه من أن من ملك الرد فامتنع منه أجبر عليه في الغصب، وهذا ملك الرد بالعيب لا بالغصب، ومن ملك الرد بالعيب فلا يجبر على الرد إذا امتنع؛ لأن الرد حق له فلا يجبر عليه إذا ترك، ورد الشيء المغصوب حق عليه، فيجبر عليه إذا امتنع منه.
ومما به (5) أصحاب أبي حنيفة مذهبهم أن من بني على حجر اشتراه من
غاصب، وهو لا يعلم بكونها مغصوبة، فإنه لا يهدم بناؤه. وقيس على ذلك بناء الغاصب، لاستواء الخطأ والعمد في إتلاف أموال الناس.
وهذا الذي قاله، وإن كان هو مذهب مالك على ما نقله القاضي أبو الفرج عنه في الحاوي، وهو مذهب الجماعة الذين ذكرنا اختلافهم، فإنهم لا متعلقا (1) لهم فيه؛ لأن الغصب (2) بني الحجر ظلما وعدوانا على ملك غيره، والملك يحترم لمالكه، وهذا الغاصب قد أسقط حرمة ماله ببنائه على ما لا يحل له أن يبني عليه .. والذي بني على خشبة اشتراها غير ظالم في بنائه، ولماله حرمة لم يهتكها، فلا تهتك عليه بالشرع، بخلاف الغاصب الذي هتك حرمة ماله فلا يصونه الشرع عليه.
ومما استدلوا به أيضا أن من غصب عبدا فأبق وهو في يديه، فإنه يحكم عليه بقيمته، وما ذلك إلا لتعذر رده، وخسارة في طلبه وتحصيله، وربما كان ما يحسن (3) الغاصب في هدم بنائه أضعاف ما يخسره فيما ينفقه في طلب الآبق.
وهذا أيضا لا مستروح لهم فيه؛ لأن الحجر المبني عليه حاضر مروي (4) يتمكن من ردها إلى صاحبهالأولهذا يجوز بيعها إذا لم يكن فيها خصام، وأمكن تسليمها على ما هي عليه، والعبد الآبق غير مقدور عليه الآن ولا يجوز بيعه.
وقد قال بعض الناس: لو أمكن الغاصب ارتجاعه بنفقة كثيرة لم يجبر على ذلك، بل يكون الحكم إغرامه بقيمة العبد.
وهذا يقتضي أنه في معنى الهالك. وإن كان بعض الناس رأى أن من حق صاحب العبد أن يطلب الغاصب باسترجاعه وإن خسر في ذلك مالا، ولم يلتفت في هذا إلى قلة الخسارة أو كثرتها.