وإذا غصب دارا فهدمها ثم أعاده ابن قضها على هيئة ما كانت، فإن شيخنا جرى على الأصل، الذي قدمناه عنه، في أن لصاحب الدار أن يغرم الهادم
المغير للبناء قيمة الدار يوم غصبها أو يوم هدمها، على التخريج الذي ذكرناه عنه، أو يغرم الغاصب قيمة الجدار صحيحا، ويعطيه هو قيمة الحجار منقوضة، إذ الغاصب لم يفعل أكثر من تلفيق، وهؤلاء (1) مطالبة له بالتلفيق، مثل التزويق، كما قدمناه، أو يطالبه بحكم ما أفسده عليه خاصة، وهو التلفيق لا أكثر من ذلك، لكون الحجار التي نقضت إن اختار صاحبها تغريم الغاصب قيمتها قائمة كانت له فأراد (2) أن ينقضها منعه رب الدار من ذلك،، كرجل بني في أرض غيره تعديا، فإنه له قيمة النقض، إذا اختار رب الأرض التمسك بهالأوله أن لا يملكه الحجار ويبقيها على ملكه، ويطلبه بما أفسد فيها وليس إلا التلفيق.
وقد قال ابن القاسم في هذا: يطلبه بقيمة ما هدم مبنيا، ويعطي هو الغاصب قيمة الحجارة منقوضة. وهذا أحد الأقسام التي ذكرناها.
وجرى ابن المواز على أصله فقال: (يأخذ من الغاصب قيمة ما هدمه
منقوضا، ويعطي هو الغاصب قيمة النقض الذي أعاده الغاصب منقوضا يوم المحاكمة فيه) (3). وهذا أيضا من الأقسام التي ذكرنا.
وبنى ابن المواز على أصله في أن من ملك تضمين الجملة فليس له أن يأخذها وقيمة ما انتقصر منها، وهذا قد ملك أن يضمن الغاصب جميع قيمة الدار، فإذا عدل عن ذلك وطلب أخذ عينها فلا مطالبة له بما نقص.
ومما يلحق بما نحن فيه من إفساد الغاصب ثم تلافيه لما أفسد، مسألة من اكترى دابة فتعدى بزيادة على ما اكتراه، في زمن أو مسافة أو حمل، فإنه إذا اكتراها أياما معلومة محدودة، فحبسها بعوإنقضاء الأجل، ثم ردها لربها سالمة، فقد سقط عنه الضمان لتلافيه تعديه وردها إلى صاحبها سالمة. ولكن
لو كان حبسها أياما كثيرة كالشهر ونحوه، على ما وقع في بعض الروايات، أو يحد الأمد بكونه مما تختلف فيه الأسواق، على ما وقع في رواية أخرى، فإنه يضمن قيمتها وإن ردها سالمة. وهذا لأجل كونه حبسها على أسواقها، ومنع ربها من المنفعة بها. وخص في المدولة هذا الحكم بتعدي المكتري والمستعير، ولم يذكر ذلك في الغاصب إذا ردها بعد زمن كثير وهي سالمة، فإنه قال: لا تلزمه غرامة القيمة.
واحتج ابن القاسم إلى إلزام الغاصب الغرامة، ولكنه لم يلتزم ذلك كراهة في مخالفة مالك.
والفرق عند مالك بين الغاصب والمكتري أن مقصود الغاصب ملك الرقبة لا تملك المنفعة، فلم يضمن القيمة بحرمان ربها منفعتها، ومقصود المكتري والمستعير غصب المنفعة، ومن جملة المنافع بيعها إذا شاء ربها، وقد منعه، بحبسها، من هذه المنفعة، وهي مقصودة، فضمن ما منعه من ذلك. كذلك لو تعدى المكتري على الدابة في المسافة فإن المعتبر، في تضمينه قيمتها إذا ردها سالمة، ما اعتبرناه في تعديه في الزمان. فإن تعدى مسافة طويلة منع بذلك ربها من أسواقها، ضمن قيمتها إذا شاء ربها. وإن تعدى مسافة يسيرة لم يكن لربها أن يضمنه القيمة إذا ردها سالمة، والعلة في تعدي المسافة، إذا كثر وبعد، كالعلة في تعدي الزمان إذا طال وكثر.
ولو غصب الدابة في أمد التعدي، فإنه يضمن قيمتها طال زمن التعدي أو قصر. وكذلك إذا طالت مسافة التعدي، أو ققت حتى يولغ (1) في ذلك، فقيل: ولو تعدى بها خطوة. وخولف بين تعدي المسافة المحدودة أو الزمن المحدود، إذا وقع الغصب في أمد التعدي، بينه وبين التعدي في زيادة العمل المشروط، فقيل: إذا اكترى دابة ليحمل عليها عشرة أقفزة، فحمل أحد عشر قفيزا، فإنه يعتبر مقدار ما زاد، فإن كان يعطب في مثله ضمن قيمتها، وإن كان لا يعطب
في مثله لم يضمن القيمة. وذكر لي شيخنا رحمه الله عن بعض أشياخه أنه كان يفرق بين التعدي بالزيادة في مقدار العمل، والزيادة في المسافة أو الزمن: مجاوزة الزمن المشترط في الكراء تعد محض لا شبهة فيه ولا إذن يخالطه، فلهذا استوى قليله وكثيره، والزيادة في العمل لم يتمخض فيها التعدي، بل امتزج مع الاذن بالدابة. فالدابة المحمول عليها أحد عشر قفيرا مأذون في تسييرها بشرط أن يكون عليها عشرة قفيزا (1)، فوجب لأجل امتزاج التعدي بالإذن بين أن تكون الزيادة مهلكة أو غير مهلكة.