والجواب عن السؤال السابع (3) أن يقال:
إذا أحدث الغاصب فيما غصبه تفرق اتصال كسوارين غصبهما فكسرهما، فإن في ذلك اختلافا في المذهب:
ففي المدونة يغرم قيمتهما، وفيها أيضا: يغرم ما نقص. وفيها أيضا: قيمة الصياغة. هذه الأقوال مترددة بين كتاب الرهن وكتاب الغصب وروي أنه يصوغهما له.
وسبب هذا الاختلاف ما كنا قدمناه من الاختلاف في صنائع المخلوقين: هل تتماثل وتلحق في تماثلها بتماثل المكيلات والموزونات، أو لا تتماثل وتجري مجرى العروض؟ ويلتفت فيها أيضا إلى أصل آخر: هل يغلب حكم الصناعة على الشيء المصنوع أو يغلب الشيء المصنوع؛ فإن قلنا: إن صنعة المخلوقين تتماثل، وحكما يغلب على حكم ما علمت (4) فيه الصنعة، وجب القضاء عليه بسوارين صحيحين. وإن قلنا: إنها لا تتماثل، والصنعة مغلبة على
ذات المصنوع، وجب فيها القيمة. وإن قلنا: إن صناعة المخلوق لا تتماثل، ولا تغلب على الذات المصنوعة، كان الواجب في ذلك ما نقص.
وكذلك الحكم في دار غصبها الغاصب فهدمها، فإن ابن المواز قال: لصاحب الدار أن يغرم الغارم (1) قيمتها يوم الغصب، ويسلمها له على ما هي عليه من هدم، وله أن يأخذ ما وجد منها على ما هو عليه. وهذا منه بناء على ما اختاره من الخلاف الذي وقع بين ابن القاسم وأشهب فيمن غصب شيئا فحدث فيه عيب ينقصه أن ربه إن اختار أخذ العين والعدول عن القيمة فإنه لا يطالب بقيمة النقص الحادث لكونه ملك تضمين قيمة الجملة. وعلى الطريقة الأخرى وهي مذهب ابن القاسم أنه إن اختار أخذ عين الدار على ما هي عليه كان له المطالبة بقيمة الهدم.
وزاد بعض أشياخي على هذا أن له أن يغرمه قيمة الدار صحيحة وتعتبر القيمة يوم هدمها. وهذا منه تخريج على أحد قولي ابن القاسم فيمن غصب عبدا ثم قتله: إن لسيده أن يرفع عليه حكم الغصب ويطالبه بحكم التعدي وهي قيمة العبد يوم القتل.
وقد كنا نبهنا على ما في هذا من التخريج فيما سلف وإن بقاء العين مع نقص فيها بخلاف تلف العين كلها حتى لا يبقى لمالكها غرض يشح عليه ويتمسك به. وكذلك أيضا أضاف إلى هذا التخيير في وجهين آخرين وهما مطالبة الغاصب الهادم بقيمة الجدار المهدوم قائما، على أن حجاره تبقى على ملك الغاصب، يتصرف بها، أو يطالبه بقيمة التلفيق في الحجار، وهو مقدار ما أتلف عليه، ومنفق (2) الأنقاض لمالك الدار. وهذا منه بناء على أن القاعة، لربها أن يختار أخذها بعينها ويطالب بحكم الفساد في الجدار خاصة، ويصير كغاصب سلعتين أبقى إحداهما على الحالة التي غصبها عليها، وأفسد السلعة
الأخرى، فإنه يعطى لكل سلعة حكم نفسها: فيخص الجدار بتميكنه منه، إذا اختار ذلك، ويطلب في الفساد الواجب فيه: إما قيمته كلها، وهو تقويمه قائما على أن الحجارة تبقى للغاصب، أو يختار أخذ الحجار ويطلبه بالنقص الذي أحدثه فيها وهو الهدم. وهذا أيضا إنما يصح له وإن (1) قدر الجدار كسلعة أخرى، على طريقة ابن القاسم في أن من ملك تضمين الغاصب قيمة جملة ما غصب لنقص حدث فيه، فإنه إذا عدل عن ذلك، واختار الذي فسد، فإن له مع ذلك المطالبة بما نقص وهو التلفيقال في نقص.
والجواب عن السؤال الثامن (2) أن يقال:
لو غصب الغاصب سوارين وكسرهما ثم أعادهما على حالهما، فأراد ربهما أخذهما، ففي ذلك قولان:
أحدهما: منعه من ذلك، وصرفه إلى أخذ قيمتهما.
والقول الآخر: إن له أخذهما ولا غرامة عليه.
فمن ذهب إلى منعه من أخذهما يقدر أن الإعادة للصنعة لا تتماثل،
وقضى بالقيمة لكون السوارين تجري مجرى العروض، فإنه ليس له أن يجبر
الغاصب على أن يأخذ منه عوض القيمة الواجبة عليه من هذين السوارين.
وإن قلنا: إن صنعة المخلوقين تتماثل، وتجب عليه إعادة الصناعة، فكذلك فعل. وإذا فعل الواجب على هذا القول لم يطلبه صاحب السوارين بغير ذلك.