ولكن أشهب قال: يطلب الغاصب بالقيمة يوم الغصب أو يطلب الموهوب له بالقيمة يوم إتلافه ما أتلف.
ولو كان قيمة الثوب الملبوس يوم الغصب عشرين دينارا، وقيمته يوم اللباس ثلاثون دينارا، فإنه إذا أخذ من الغاصب العشرين دينارا، التي هي قيمته يوم الغصب، لم يرجع على الموهوب له بالعشرة التي هي تمام قيمته يوم اللباس، وإن كان أشهب رآهما كغريمين وجبت عليهما الغرامة بأمرين مختلفين، وإذا اختار طلب أحدهما فكأنه أسقط الطلب عن الآخر، وجعل لصاحب المال الخيار في طلب من شاء منهما قياسا على حكم المشتري إذا استحق من يده الطعام أو الثياب وقد أفناهما، فإن المستحق مخير بين طلب الغاصب أو المشتري. فكذلك يجب أن يخير بين طلب الموهوب له أو الغاصب، والفرق بينهما عند ابن القاسم وغيره أن المشتري إذا ابتدأ (1) الطالب بغرامة كان له مرجع على من باع منه، فلا يلحقه كبير ضرر. والموهوب له إذا بدأ (2) الطالب بغرامته، فلا مرجع له على أحد، وقد أتلف ما أتلف مع اعتقاده ألا غرامة عليه فيه، فيلحقه من الرجوع عليه الضرر الشديد. فرأى أن البداية بالغاصب لكونه هو المسلط للموهوب له على إتلاف هذا المال، فكأنه أتلفه بيده. ورأى غيره أن البداية على الموهوب لأنه هو المنتفع بالإتلاف، ولا منفعة للغاصب في ذلك. ولو كانت قيمة ما أتلف يوم الغصب، ويوم سلمه الموهوب، ويوم الاتلاف، متساوية، وأراد المستحق للطلب أن يبدأ بغرامة الغاصب، لم يختلف في ذلك إذ له أن يرفع عنه المطالبة بما يجب عليه من حكم التسليط على الإتلاف، ولأخذه بمجرد الغصب، فتكون القيمة يوم الغصب. وهذا حكم إتلاف الهبة وواهبها غاصب.
ولو كان واهبها غير غاصب ثم استحقت فإن قول ابن القاسم في ذلك يرى (3) على ما ذكره ابن عبدوس في المجموعة ألا طلب على الواهب لأنه وهب
هبة تجوز له. ورأى في المدونة في كتاب الاستحقاق فيمن حابى في كراء ما ورثه، وهو يظن أنه انفرد بالوراثة، فطرأ أخ له لم يعلم به، فإن الأخ الطارئ يبدأ بالمطالبة بالمحاباة بأخيه. فإن كان فقيرا فحينئذ يرجع على المكتري. وذكر عن غيره أنه لا يرجع (1) له على أخيه إذا لم يكن قد علم.
وقد اضطرب الأشياخ في تحصيل المذهب إذا كان الواهب ليس بغاصب، الشيخ أبو محمد وغيره يشيرون إلى أنه لا يختلف وأن (2) المرجع إنما يكون على الموهوب له المنتفع. وقد يتأول قوله في المدونة في الوارث إذا طرأ له أخ وقد حابى في الكراء، قوله: يرجع على أخيه، علم أو لم يعلم، أنه أراد
بالكراء الذي أخذ.
من (3) الأشياخ من يشير إلى أن الوارث يرجع عليه بالمحاباة، وأن ابن عبدوس إنما ذكر عن ابن القاسم ما ذكرناه في مشتير اشترى ثوبا فوهبه.
والمشترى بخلاف الوارث لكونه قد دفع فيما وهبه مالا، والمشتري ضامن، والوارث لم يدفع مالا، وقد يتهم في أنه عالم فيصير كالغاصب، ولا يتهم المشتري لكونه دفع مالا.
وطرد هؤلاء هذا في هدم الوارث الدار ورثها، أو هدمها المشتري، فيكون المشتري غير مطالب بالهدم. وهذه التفرقة يرد بها ظاهر ما وقع في كتاب القسم من المدونة في الموصى له بالثلث، إذا قسمت التركة، فوقع استحقاق بعضها، فوجد الدار في يد الورثة مهدومة، أنه لا يرجع عليهم بالهدم.
وهذا كله اضطراب، والتحقيق أن ذلك كله جار على الخلاف في من أخطأ على مال غيره، وقد تقدم ذكره. ولو كان الغاصب قد أكرى الدابة من رجل فعطبت تحته، فإنه لا يغرم قيمتها، على ما ذكره في المدونة من كتاب
العارية، وفي الموازية. وقد ذكر ابن المواز أنه يجب أن يغرم، قياسا على قوله في رجل استأجر رجلا يبلغ له كتابا إلى بلد، وهو يظن أنه حر، فإذا به عبد، وعطب في سفره، فإنه يضمن العبد.
قال ابن المواز: لا فرق بين السؤالين. وفرق بينهما الأشياخ بأن العبد إذا حيل (1) سيده في الغرامة على عبده لم يفده ذلك. فصارت الإجارة كالهبة ها هنا، والهبة يرجع بها على الواهب، وأما عطب الدابة تحت من اكتراها من الغاصب فإنا إذا أسقطنا الغرامة عن الراكب كان لصاحب الدابة مرجع على آخر وهو الغالب (2) فلم يبطل حقه بالكلية.