وهذا واضح على أصله لأنه لما أسقط صاحب الطعام حقه في أخذ عينه لم يكن له أن يأخذ ثمن العين إذا بيعت. وأما على الطريقة الأخرى، وهي القول بأن له أن يأخذ عين الطعام، فإنه له أخذ ثمنه. وكذلك منعه مالك أن يأخذ طعاما خلاف الطعام المنقول، ورأى أنه بيع طعام بطعام مؤخر، لما كان الحكم عنده تضمين الغاصب الطعام بالبلد الذي غصبه فيه. ولو أراد صاحب الشيء المغصوب أن يكلف الغاصب رده إلى حيث غصبه لم يكن له في المشهور من المذهب: لكن المغيرة ذكر عنه في كتاب المجموعة، فيمن غصب خشبة من
عدن، وأوصلها إلى جدة، وأنفق في ذلك مائة دينار أن لربها أن يكلفه ردهالأوله أن يأخذها بعينها. قال: ولو كان نقلها بوجه شبهة وقيمتها، حيث وصلت، أكثر من قيمتها في المكان الذي منه نقلت، فإن ربها إذا أراد أخذها كلف أن يدفع إلى حاملها الأقل من كرائها، وما زاد في قيمتها. وفي كتاب ابن حبيب فيمن استؤجر على حمل ينقله لبلد آخر، فنقل غيره غلطا، أن لصاحب الشيء المنقول تضمين الناقل وأخذ ما نقله بعد أن يؤدي الكراء عند ابن القاسم، ولا يلزمه أن يؤديه عند أشهب، ولا يجبر الحمال أن يرده إلى المكان الذي منه نقله.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال:
مما يحدثه الغاصب فيما غصبه هبة الشيء المغصوب، فإن مالك الشيء المغصوب إذا وجده في يد الموهوب له، ولم يتغير في سوق ولا بدن، فإن له نقض الهبة، وأخذ عين ماله لا شيء له غير ذلك. وقد كنا قدمنا النظر في تخريج في هذا في مسألة بيع الغاصب لما غصبه، فوجده مالكه في يد مشتريه قائما لم يتغير في بدن ولا سوق.
وحكم الموهوب له في هذا الوجه كحكم المشتري إذا اشترى من الغاصب. لكن لو تغير الشيء الموهوب في يد الموهوب له تغيرا يوجب القيمة على الغاصب لكان له المطالبة بذلك.
وقد قال ابن القاسم، فيمن أعار ثوبا غصبه فلبسه المستعير لباسا ينقصه به، فإن لصاحب الثوب أن يغرم الغاصب قيمة العيب الذي أحدثه الموهوب له، ويأخذ عين شيئه ناقصا. وإن وجد الغاصب فقيرا كان له أن يأخذ عين شيئه، ويرجع بقيمة النقص على الموهوب له الذي أحدثه.
وقال أشهب وسحنون: ليس له تغريم الغاصب ما نقص، وإنما له تضمينه القيمة يوم الغصب يغرم ذلك الغاصب. وهذ ابن اء على أصولهما واختيارهما في أن من ملك أن يضمن العين فاختار أخذها بعينها فليس له المطالبة بما نقص منها.
ولو وجد مالك الشيء المغصوب ما غصب له قد هلك، بأن يكون طعاما أكله الموهوب له، أو ثيابا لبسها حتى أبلاها، فإن لربها أن يطالب بالواجب له في ذلك، فإن كان الموهوب له ذلك عالما بأن الذي وهبه غاصبا (1)، فحكم الرجلين حكم واحد، وهما غريمان لصاحب المال المغصوب، يطلب أيهما شاء بعوض ما استهلك له. وإن كان الموهوب له فعل ذلك ظنا منه أن الواهب وهب له إنما (2) يملكه، فعلى من تكون المطالبة له؟ هذا فيه ثلاثة أقوال: مذهب ابن القاسم أن غرامة عوض ما استهلك من ذلك على الواهب، إن كان مليالأولا مرجع للغاصب على الموهوب له بشيء مما غرم؛ لأنه غره وسلطه على أكل الطعام ولبس الثياب على ألا عوض عليه، فكأنه التزم الغرامة عنه لصاحب المال. وإن كان فقيرا رجع على الموهوب له لأنه أتلف مال هذا الطالب غلطا منه (على ماله) (3) ولم يؤذن له في إتلافه من قبل مالكه، ومن أتلف مال غيره غلطا فإنه يغرمه.
وفي كتاب الاستحقاق، لغير ابن القاسم، أن الطالب إنما يبدأ بتغريم الموهوب له؛ لأنه هو المنتفع بالمال. وقد يكون صونه (4) به ماله فصار لأجل ذلك كالباقي في يديه، وإذا كان كالباقي في يديه، فيه (5) يبرأ من الغرامة.
ومذهب أشهب أن الطالب بالخيار، يبدأ بغرامة الغاصب إذا شاء، وإن شاء بدأ بغرامة المتلف لما وهب له، كما بو كان الموهوب له عالما بالغصب وغلطه لا يدفع عنه وجوب الغرامة عليه. وهو اختيار ابن المواز وسحنون.