تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومذهب ابن القاسم أنه إذا أخذ الموجود منهما ولم يضمن الغاصب قيمة الأمهات، فإنه لا مطالبة له بقيمة الهالك منهما. وقدر أن الولد كعضو من أعضاء الأم، والجارية إذا غصبت فذهب عند الغاصب عضو منها، كيد أو عين، فاختار أخذ الباقي من أعضاء الجارية، فإنه لا يغرم قيمة العضو الهالك إذا كان هلاكه بأمر من الله سبحانه، لا صنع للخلق فيه، كما قدمناه أن هذا هو المذهب، إلا ما يتخرج مما روي عن سحنون في الغاصب إذا قطع يد الجارية التي غصبها أنه يضمن قيمة اليوم (1) يوم الغصب على ما مضى بيانه.

وإذا تقرر عندك هذا الأصل أن أشهب يرى الولد إذا انفصل عن أمه كسلعة غصبت بعد سلعة، فإن لك منها أحكام: قتل الأم أو الولد أو قتلهما جميعا، فإنه يطالب بقيمة ما قتل يوم غصبه، أو يوم سقط، على ما قدمنا ذكر الخلاف فيه، ويأخذ الموجود منها: الأم أو الولد. وكذلك أيضا يتضح الحكم على أصل ابن القاسم أنه يراه كعضو منها، وإن انفصل عنها، فإن قتلهما جميعا لم يضمن إلا قيمة الأمهات يوم الغصب لأنه إذا ضمن قيمة الأم يوم الغصب صار الولد المقتول من جملة أملاك الغاصب.

وإن قتل أحدهما، واختار سيدها أخذ الباقي منهما، لم يضمن المقتول منهما إذا كان أخذ القيمة يوم غصب الأم. وإن أخذت يوم القتل لم يقدر الولد من جملة أملاك الغاصب.

وهذا التفريع يتضح لمن عرف ما قدمناه من قتل الغاصب لما غصب: هل تعتبر القيمة يوم الغصب أو يوم القتل؟

ومما يحدثه الغاصب التجر بدنانير غصبها، فإنه، وإن كان حبسها وأنفقها ولم يتجر بها فإنه لا يضمن فيها ربحا في المشهور من المذهب إذ الربح معدوم، والعدم لا يملك ولا يضمن. لكن يجب أن يضمن لصاحب الدنانير

مقدار ما كان يربح فيها صاحبها لو تجر فيها يقوم أقل ما يظن به أنه لو تجر بها لاستفاده، على طريقة عبد الملك بن الماجشون فيمن غصب دارا فأغلقها، فلم يسكنها ولا أكراها، فإنه يطالب بمقدار كرائها، مع كونه لم ينتفع منها بشيء.

وقد ذكر ابن سحنون في شاهدين شهدا على رجل له دين على رجل آخر قد حل، أنه آخره به عاما، فلما انقضى العام، رجعا عن شهادتهما، بعد أن حكم الحاكم بها، أنهما يغرمان ما يظن أن الذي له الدين لو أخذه لما حل وتجر به في هذا العام الذي شهدا به عليه أنه تطوع بتأخير الدين إليه لاستفاده، إذا كان الدين المشهود بتأخيره عينا أو مكيلا أو موزونا.

وهذا يشير إلى ما قلناه من إلزام الغاصب ضمان ما منع من فوائد الأموال.

وأما إذا كان الغاصب قد تجر بها وأفاد فيها ربحا، فلا يخلو من أن يكون لما تجر بها موسرا حينئذ يعامل على ذمته، أو معسرا يعلم أنه لولا المال الذي غصبه لما عومل.

فإن كان تجر بها، وهو موسر، كان الربح له، ولا يختلف في هذا على المذهب المشهور في أن الغاصب لا يضمن ما منع منه من فوائد.

فإن كان الغاصب معسرا ففيه قولان: هل يكون الربح للغاصب إذا كان معسرا أو يكون الربح لرب المال؟

وسبب هذا الاختلاف أن نماء المال لم يحدث إلا عن مجموع أمرين: أحدهما: نفس المال المغصوب والثاني: تجر الغاصب، ولو لم يعمل به الغاصب لم ينم المال. ولو حاول الغاصب. ما يشتريه وهو فقير لم يتمكن (1) له ذلك غالبا. فقد تبين من هذا أن الربح حصل عن اجتماع أمرين: المال وفعل الغاصب في المال، فلا بد أن يستند إلى أقواهما سببا فيه. فمن رأى أن المال

هو أقوى سببا في حصول الربح قال: إن الربح لرب المال. ومن رأى أن عمل الغاصب فيه أقوى سببا في حصول الربح قضى يكون الربح في المال المغصوب للغاصب.

ومما يجري على هذا الأسلوب القولان في زكاة ربح المال: هل يستقبل بالربح حولا أو يزكى إذا حال الحول على رأس المال؟ وقد مضى في كتاب الزكاة ذكر الخلاف في هذا وذكر الدلالة لكل مذهب من هذين المذهبين. وهو أيضا ينبني على ما أشرنا إليه ها هنا فيمن قدر أن أقوى السببين في تحصيل الربح رأس المال، أجرى على حكم الربح حكم رأس المال ثم تقدير مضي الحول عليه. ومن رأى أن أقوى السببين في تحصيل الربح عمل صاحبه فيه وتجره به، استقبل بالربح حولا.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٥٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٥٢٨