وقد اختلف أيضا فيمن اشترى سلعة، والناس في صلاة الجمعة، فقلنا بفسخ البيع على أحد القولين، بفساد العقد، فلو فات هذا البيع عند مشتريه وعقد فيه بيعا صحيحا جائزا فربح فيه، هل يتصدق بالربح أم لا؛ وهذا جار على هذا الأسلوب، هل سبب ربح هذا المال الذي يملكه على صفة لا تجوز أوسبب الربح عمله فيه، إلى غير ذلك من المسائل الذي يعتبر فيها هذا الأصل.
والجواب عن السؤال الخامس (1) أن يقال:
إذا استهلك الغاصب طعاما غصبه، مكيلا أو موزونا، قضي عليه بمثله، ولو استهلكه في أيام الشده وغلاء الطعام، ثم حكم عليه في أيام رخاء ذلك الطعام ففيه قولان:
المشهور منهما أنه لا يغير الحكم ويقضى بمثله. والقول الآخر أنه يقضى عليه بقيمته حين غصبه الطعام في أيام غلائه. وهذا يتضح على إحدى الطريقتين
اللتين قدمناهما، من أن الغاصب يضمن ما منعه من فائدة في الشيء المغصوب.
وأما إن كان الطعام المستهلك جزافا، فإنما يقضى بقميته. ولو طلب صاحب الطعام أن يقضى له بمكيلة يتحقق أن الطعام الجزاف المستهلك لا يقصر عنها لكان فيه قولان:
أحدهما تمكينه من ذلك؛ لأن الأصل القضاء بالأمثال، وإنما عدل عن ذلك إلى القيمة لامتناع الاطلاع على حقيقة المماثلة في الكيل. فإذا طلب صاحب الطعام أن يقضى له بها (1) يعلم أنه استهلك عليه، ويعرف مقدار كيله، مكن من ذلك.
والقول الآخر أنه لا يمكن من ذلك (2) أوجب القيمة لصاحب الطعام (بتغير هذا الحكم) (3).
وإذا استهلك الغاصب الطعام، ووجب عليه مثله، فلم يوجد ذلك حين المحاكمة، فإن يئس من أن لا يوجد أبدا، قضي بالقيمة، وإن رجا وجوده عن قرب، ينبغي التلوم في مثله في المحاكمة في هذا، أخر القضاء بذلك عليه إلى حين وجوده. وإن لم يوأس من وجوده على التأبيد، ولا رجي عن قرب، ففيه قولان:
أحدهما أنه يؤخر قضى (4) يرد مثله إلى أن يتفق وجوده وهو مذهب ابن القاسم.
والقول الثاني، وهو مذهب أشهب، أن له أخذ القيمة، وإن شاء صبر إلى وجود مثل الطعام.
وذكر ابن عبدوس أن اختلاف ابن القاسم وأشهب في هذه المسألة كاختلافهما فيمن أسلم في فاكهة لها إبان ففات الإبان قبل أن يقتضي، فإن ابن القاسم يقضي بالتأخير إلى عام قابل، كما فعل ها هنا في مستهلك الطعام.
ومذهب أشهب أنه يرد رأس المال، ولا يجوز الرضى بالتأخير، ومقتضى هذا لا يجوز في استهلاك الطعام أن يجيز (1) ما بين أخذ قيمته نقدا أو العدول عنها إلى التأخير لعام مقابل (2)، فيكون ذلك فسخ دين في دين.
وهذا الذي اعترضه به ابن عبدوس لا يلزم، على أحد القولين، فيمن خير بين شيئين، فلا يقدر اختياره لأحدهما رجوعا إليه بعد أن اختار الآخر فيكون فسخ دين في دين.
وأما على الطريقة الأخرى ففيه نظر ينكشف وجهه مما قدمناه في كتاب السلم لما ذكرنا الاختلاف في ذوات الإبان، هل يلزم التأخير أو المحاسبة، وغير ذلك مما قيل فيه وعلل ذلك.
وأما لو كان الطعام المغصوب لم يستهلك، ولكنه أبقاه الغاصب بالبلد الذي غصبه فيه، ثم سافر إلى بلد آخر، فلقيه صاحب الطعام، فأراد مطالبته حيث لقيه.
فإن ابن القاسم يرى أنه لا يقضى عليه حيث هو بالطعام، وإنما يقضى عليه بأن يدفع الطعام أو مثله بالبلد الذي قبضه فيه وإن كان في ذلك تأخيرا (3) لصاحب الطعام عن حقه واستيفائه.
ويرى أشهب إذا بعد ما بين البلدين أن يقضى لصاحب الطعام بقيمته بالبلد الذي غصبه فيه يأخذ ذلك حيث لقيه؛ لأن الدنانير والدراهم لا تختلف الأغراض فيها باختلاف البلدان، أو يقضي للطالب بمثل طعامه إذا كان سعر الطعام بالبلد الذي تلاقيا وبالبلد الذي غصب الطعام فيه سواء، أو كان حيث تلاقيا أرخص. يقضى بهذا التسعير لصاحب الطعام ليرفع عنه مضرة فا (1) استحقه، ولكون الغاصب لا يناله ضرر مع تساوي الأسعار وكون السعر بالبلد الذي تلاقيا فيه أرخص. واختلافهما في هذا كاختلافهما فيما قدمناه إذا وقع الطلب بالبلد الذي وقع فيه الغصب ولم يوجد مثل الطعام.