فلو رجع هذا الثوب الذي اشتراه شراء فاسدا للذي كان اشتراه شراء فاسدا بوجه صحيح، لم يمنع من فسخ العقد الفاسد الذي كان وقع فيه، وجعل ما وقع بعد العقد الفاسد من بيع صحيح كالعدم.
والقول الثالث إن هذه الخمسة دنانير ترجع إلى من كان دفعها للغاصب؛ لأن مالك الثوب المغصوب لما أخذ عين ثوبه فقد انتقض جميع ما كان فيه من البياعات، كما ينقض بالاستحقاق جميع البياعات المتقدمة للاستحقاق.
ومما يحدثه الغاصب الغيبة على جارية غصبها فإنه يضمن قيمتها بمجرد الغيبة عليها، إذا كانت جارية رائعة من جواري الوطء، سواء علم أنه وطئها أو شك في ذلك. إلى هذا ذهب مطرت وابن الماجشون وأوجبا القيمة على الغاصب، لأجل أن ذلك يقتضي شكا هل وطئها الغاصب أم لا؟ وذلك ينقص من ثمنها، وأدنى مراتبه أنه كالعيب اليسير، والعيب اليسير يضمن به الغاصب ما غصب، وتلزمه فيه غرامة القيمة. وأيضا فإن الغيبة عليها مما يقتضي التوقف عن وطئها حتى تستبرأ، فيصير ذلك حبسا لها عن ربها، ومنعا لسيدها منها، وذلك يوجب القيمة.
لكن هذا التعليل يقتضي أنه لو كان أيام حيضتها قد أشرفت وقربت ألا يضمن الغاصب القيمة، إذا كان حبسها عن ربها بقرب زمنه. وبعض أشياخي يرى أن سيدها إذا كان مقرا بو طئها لم يعجل القيمة بل توقف، لجواز أن ينكشف كونها حاملا فترجع لسيدها أم ولد له فإن حاضت، وتبين أنها غير حامل من سيدها، أخذ القيمة التي وقفت له.
ومذهب ابن القاسم أن مجرد الغيبة لا يوجب ضمان القيمة، خلافا لما حكيناه عن مطرت وابن الماجشون.
وما ذاك عندي إلا أنه يرى أن مجرد الغيبة ليس بعيب في هذه الجارية، ووجوب استبرائها قد تكلمنا عليه في كتاب الاستبراء.
ومما يحدثه الغاصب استيلاد الأمة المغصوبة، فإن ابن القاسم وأشهب اتفقا على أنه ما استولده الغاصب، واغتله في الحيوان من لبن وشبهه، فإن مالك ذلك يستحق أخذه للأمهات وما ولدت وما اغتل منها. وإن ضمن مالك ذلك قيمة الأمهات وما ولدت لم تكن له مطالبة بالأولاد ولا بهذه الغلات. وإن حدث الموت بالأمهات وأولادها جميعا، أو بأخذهما (1)، فهاهنا (أستخلفا لمذهب) (2) ابن القاسم أنهما إذا ماتا جميعا لم يضمن الغاصب سوى قيمة الأمهات يوم الغصب؛ لأنه إذا ضمنها يوم الغصب صار ما حدث من ولد أو غلة كأنه حدث في ملك الغاصب، ومن حدث في ملكه شيء لم يؤخذ منه إلا بوجه يوجب ذلك.
وعند أشهب أنه، وإن ضمن الأم يوم الغصب، فإنه يضمن مع ذلك قيمة الأولاد يوم ولدت، وقدر أن ذلك كغاصب سلعتين، فإن هلكا جميعا غرم قيمتهما جميعا، وبمجرد الولادة صار الولد كسلعة أخرى يجب على الغاصب
ردها لمالكها، فإذا لم يفعل صار كمبتدى غصب لها يوم ولادتها، وانفصال (1) الولد منها صار الولد مغصوبا حين مفارقته لبطن أمه، فيضمن قيمته يوم الغصب.
وخرج بعض أشياخي في غرامة قيمته قولا آخر أنه يغرم قيمة الولد أعلى قيمة مرت به، كما قدمنا حكايته عن أشهب وعبد الملك وابن وهب.
وهذا التخريج عندي قد يمانع فيه لأجل أن الولد قد قيل: إنه غلة لا يرد مع الأمهات، كما سيرد بيانه فيما بعد إن شاء الله تعالى، وإذا كان لا يجب رده صار كونه مغصوبا غير مجمع عليه فلا يجري ذلك مجرى الغصب "المجمع عليه الذي يقدر فيه الغاصب فيه كمبتدى غصب كل يوم، كما كنا قدمنا الخلاف في ذلك، وإسناده إلى أصل معروف، وهو أن التمادي على الفعل هل يقدر كابتدائه أو لا؟ .. وقد بسطنا ذلك في موضعه.
وقد نوقض أشهب في هذه المسألة، من التزام الغاصب قيمة الولد إذا مات، بموافقته لابن القاسم؛ لأن الأمهات والأولاد إذا (2) كانوا موجودين.
واختار مالك في الأمهات تضمين الغاصب قيمتها يوم الغصب، فإن الأولاد تبع للغاصب (3)، فكذلك يجب إذا ماتت الأمهات والأولاد وغرم الغاصب قيمة الأمهات يوم الغصب، ألا يلزمه قيمة الولد الذي مات. فإن مات أحدهما، الأم أو الولد، فأشهب يجري على أصله في أخذ الموجود منهما، وقيمة الهالك إن كان الهالك أما بيوم غصبها، وإن كان ولدا فالقيمة يوم ولد. وهذا لما قدمناه من كونه يرى الأم والولد كسلعتين غصبتا، فالباقى منهما يأخذه مالكه، والهالك منهما يقوم (4) الغاصب قيمته.