عن بعض المبيع، وإنما الحكم انفساخ البيع. وأما الغاصب فإنه يضمن بدل العين المغصوبة قيمتها. ولو غصب عبدا فأبق في يديه، فإن القيمة تلزمه بحكم التعدي. وقال الشافعي: لا يملك الغاصب بها العبد. وقال أبو حنيفة: بل يملكه. ونحن، وإن ضمناه القيمة، لا نراه بيعا للآبق، ولو كان بيعا لم يجز ذلك، لكون الآبق لا يجوز بيعه.
ويحتج أصحاب الشافعي على أن الغاصب لا يملك الشيء المغصوب بوجوب قيمة (1) عليه، بأن الملك حكم شرعي ورد الشرع بإباحته، والغصب والعدوان ورد الشرع بتحريمه، ولا يصح أن تكون الأمور الغير المشروعة تبيح الأمور المشروعة التي هي الملك. وأيضا فإن حقيقة المعاوضة التي توجب الملك صدوها (2) عن اختيار المتعاقدين، لا سيما إذا قلنا بأحد القولين عندنا نحن، في أن الأخذ بالشفعة لا يكون بيعا، لكونه مجبورا عليه المأخوذ المستشفع من يده، فإن حقيقة البيع التمكين من التسليم والآبق لا يمكن تسليمه. إلى غير ذلك من الأمور التي تشعر بأن التعويض عن الشيء المغصوب لا يكون بيعا، وإذا لم يكن بيعا لم يقبض ملكا.
ولو غصب رجل عبدأوهلك في يديه، لزمته القيمة، وليس قبالة هذه القيمة عينا تتملك. وإنما لزمت القيمة للحيلولة بين الملك ومالكه لا لأنها تؤخذ عنها عوضا وهو عين الشيء المغصوب؛ لأنه قد هلك.
وبين أصحاب الشافعي اختلاف في رجل أبق له عبد، فقال له قائل: اعتق عني بألف درهم. هل يمنع ذلك لأنه كشراء آبق، أو يجوز ذلك لأن القصد بهذه المعاوضة التقرب، وفك رقبته لا تأمل (3) مال وتطلب استدامة ملك؟
وكذلك لو اشترى رجل أباه وقد أبق لسيده، هل يمنع ذلك لكونه شراء
آبق، أو يجوز لأن القصد إنقاذ أبيه من الرق لاستدامة (1) ملك؟ وأصحاب أبي حنيفة يرون أن وجوب القيمة سبب في ملك الشيء المغصوب؛ لأن القيمة بدل منه، فلا بد للبدل من مبدل يقابله.
وقد ناقض أصحاب الشافعي أصحاب أبي حنيفة بأن العبد المدبر لو غصبه غاصب فأبق في يديه للزمته قيمته. ومذهب أبي حنيفة أن المدبر لا يحل بيعه، فقد تجب القيمة ولا مقابلة لها بملك، وإنما مقابلتها الحيلولة بين المالك وملكه.
وإذا ذكرنا هذا في هذه المسألة لأجل ما حكيناه من الخلاف في تمكين سيد العبد المغصوب من إلزام الغاصب قيمة (2) إذا أعتقه، فإذا قلنا: صادف العتق ملكا أنفذ، وإن قلنا الأصل: لم يصادفه لن ينفذ. فلأجل تعلق ما نحن فيه بهذا الأصل نبهنا عليه ها هنا.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال:
ذكرنا ما يحدثه الغاصب من إعتاق العبد المغصوب الذي في يديه، ونتكلم الآن على بيعه له. فاعلم أن البيع إنما يكون مباحا فيما يملكه البائع، إذا لم يمنعه من بيعه مانع في الشريعة، والغاصب لا يملك ما غصب، ببيعه (3) فيه لا ينفذ إذا رده مالك الشيء المغصوب.
لكن لو أراد مالك العبد المغصوب أن يجيز بيعه فيه، ويأخذ العوض عنه، وهو الثمن الذي باعه به الغاصب، فمذهب مالك وأبي حنيفة رضي الله عنهما أن ذلك لربه، ولا يمنع، والبيع نافذ إذا اختار مالك البيع (4) إنفاذه،
وإجازة ما فعل الغاصب فيه. ومذهب الشافعي المنع من ذلك، وأن هذا البيع لا بد من فسخه، وإن أجازه صاحب السلعة المغصوبة لكن باعها الغاصب.
والبخاري على ألسنة أصحابنا أن هذا يرجع إلى الخلاف في النهي، هل يدل على فساد المنهي عنه ورده، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد" (1) أو يكون مجرد النهي لا يقتضي الفساد والرد على الإطلاق، وإنما يوقف ذلك محل الدليل.
والخلاف في هذا الأصل مشهور بين الأصوليين، وكان بعض أشياخي يرى أن ما بني على هذا من الفروع، ما كان النهي عنه لحق الخالق سبحانه.
وأما ما كان النهي عنه لحق المخلوقين وأن (2) ذلك لا يحسن الخلاف فيه لأجل ما ورد في الصحيح من نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن التصرية، وجعل الخيار في إمضاء البيع أورده للمشتري إذا اطلع على عيب التصرية بعد عقده البيع، وما ذلك إلا لأجل أن النهي عن التدليس بالعيوب في المبيعات إنما عليه (3) اعتبار حق المخلوق، لا حق الخالق سبحانه.