فأما تمليكه لنفسه فبأن يعتق الغاصب العبد المغصوب. فإن عتقه بمجرد (2) لفقالا يؤثر في بدن ولا في سوق.، ولكنه لما أعتق ملك غيره لم يلزم المالك الحقيقي عتق الغاصب. وقد قال عليه السلام في الحديث: "لا طلاق قبل نكاح ولا عتق قبل ملك" (3) الحديث. كما وقع. وهذا الغاصب أعتق قبل
أن يملك فلا ينفذ عتقه. لكن لو أراد سيد العبد، ها هنا، أن يلزم الغاصب هذا العتق وينفذ له، فإن ابن شعبان ذكر في كتابه الزاهي أن العبد إذا كان تغير في يد الغاصب، فإن لسيده أن ينفذ عتق الغاصب فيه، ويأخذ قيمة العبد. وإن لم يتغير العبد في يد الغاصب ففيه قولان:
ذكر أن أحدهما: أن سيد العبد يمكن من ذلك. وأشار إلى اختيار هذا القول من القولين اللذين حكاهما .. وقد رأيت الشيخ أبا الحسن المعروف باللخمي صاحب التبصرة، رحمه الله، لما ذكرت له هذا القول استبعد أن يكون قولا فحكيته له عن المذهب، فسألني: أين رأيته؟ فقلت له: في الزاهي لابن شعبان، فكلفني أن وقفته عليه، فتعجب منه.
وعندي أن وجه هذا القول أن الغاصب وإن أعتق ما لا يملك، ووقع عتقه في غير محل ينفذ عتقه فيه، فإنه لما كان عالما بذلك صرف عتقه إلا (1) أنه التزم القيمة إن أنفذ سيله عتقه، فصار كمن قال في عبد إنسان: هو حر إن قبل مني سيده فيه مائة دينار. فقال السيد: قبلت. فإن العتق ينفذ. وقد وقع في المدونة في وكيل تعدى فباع بغير العين أنه ضامن. وقد تكلمنا على ذلك في كتاب البيوع، وذكرنا أن بعضهم علل ذلك يكون الوكيل لما تعدى وباع بغير ما أذن له فيه صار ذلك علما على التزامه بثمن المبيع من العين الذي أمران يبيع بها.
وقول ابن شعبان: إن تغير وأنفذ سيد العبد عتق الغاصب فيه، فإنه تلزمه القيمة. وعزا ذلك من الخلاف فيه، نظرا لأن العتق وقع قبل تضمين الغاصب القيمة، فصادف العتق محلا (غيرنا بل) (2) لعتق المعتق، لكونه أعتق ما لا يملك، فإذا ضمن الغاصب القيمة لأجل التغيير، ففي إلزامه العتق نظر لكونه سابقا لإلزامه القيمة، وكونه مردودا، فصار كالعدم. وهذا أيضا يلتفت فيه إلى المترقبات إذا وقعت: هل تعد كانها لم تزل حاصلة من وقت وجد السبب
المترقب ما يكون منه، وإنما يقدر الحصول عند الوجود. وهذا ينظر إلى ما قالته الحكماء: إن الوجود على قسمين: وجود بالقوة، وهو مثل النواة تغرس، فإنها يترقب مصيرها نخلة. ووجود بالفعل، وهو حصولها نخلة كاملة. فإذا قلنا: إن سيد العبد إذا تغير عبده في يد الغاصب فاختار تضمينه القيمة، فإن القيمة كأنها لزمته، وملك بها العبد من حين الغصب. أو يقال: إنما يقدر حصول الملك يوم اختار سيد العبد تضمين الغاصب القيمة فيكون العتق وقع في غير ملك، ولما ذكره ابن شعبان من الخلاف في تمكين سيد العبد من إمضاء العتقال في فعله الغاصب وطلبه بالقيمة، فإن هذا يستبعد، لكون العتق قولا لم يؤثر في العين ولا في السوق، ووقع من غير مالك، وهذا يصيره كالعدم، فإذا صار كالعدم فليس لسيد العبد أن يلزم الغاصب القيمة إذا رد عبله إليه بفور غصبه غير متغير لا في سوق ولا بدن.
وعندي أن وجه القول بتمكين السيد من إمضاء العتق في إلزام الغاصب القيمة، أن من ذهب إلى ذلك قدر أن الغاصب المعتق الملتزم، بعتقه، قيمة العبد، لتقدم علمه، أن العتق تقرب من الله سبحانه، وإحسان إلى العبد، ولا يحسن ذلك إلا مع الحكم بنفوذه. وقد قيل في تعدي الوكيل بأن باع بعرض فإنه ضامن. وقد تقدم ذكر هذه الرواية وما حملت عليه. لكن يلتفت في هذا أيضا إلى أصل آخر، وهو اختلاف الأئمة رضي الله عنهم في المضمونات: هل تملك بالضمان أو لا تملك؟. وهذا، وإن أطلقه بعض المصنفين فجعله على مثل ما نحن فيه من ضمان التعدي الغير مشروع لا في ضمان أوجبه الشرع بحكم التوفية على البائع، كمن باع أمة ووجب عليه مراضعتها (1)، فإن ضمانها في أيام المراضعة (1) من البائع. ولا يختلف أنه لا يفلكها بهذا الضمان، كيف؛ وهذا قد أخرجها من ملكه، وإنما عليه توفية المبيع، وتوفيته ها هنا إنما تحصل من التمكين من الأمة فارغة من العمل. وأيضا فإن البائع لا يضمن ضمان القيمة